في دهاليز العلوم السياسية، توجد قاعدة غير مكتوبة تقول: «إذا لم تستطع إقناعهم، فقم بإرباكهم».
تاريخيًا، كانت صرخة «الملكة حامل!» هي الستار المخملي الذي يُسدل على المسرح كلما بدأ الجمهور في التساؤل عن ثمن التذاكر أو جودة العرض، لم تكن الجملة خبرًا بقدر ما كانت أداة صرف انتباه.
اليوم، لم يتغير المنطق، بل تغيرت الأدوات، فبدل المنادي في الساحة، لدينا الخوارزمية، وبدل حمل الملكة، لدينا قائمة إبستين.
في القرون الوسطى، قدّم الفيلسوف إرنست كانتوروفيتش مفهوم «جسدي الملك»: الجسد الطبيعي الذي يشيخ ويمرض، والجسد السياسي الذي يُفترض أنه خالد ولا يُمسّ.
في العصر الحديث، أضافت الأنظمة جسدًا ثالثًا: «جسد الفضيحة».
هذا الجسد ليس عرضيًا، بل مُنتَج سياسي، هو مادة استهلاكية تُلقى للجماهير في لحظات الإختناق الإقتصادي، والانكشاف الإجتماعي، وتآكل الشرعية، فعندما يعجز النظام عن تقديم الخبز، يبالغ في نصب السيرك.
هنا تصبح قضية جيفري إبستين بمثابة قنبلة الستار الدخاني، بل هي النموذج الأوضح في القرن الحادي والعشرين لهذا النمط من الإدارة السياسية، فالقضية لم تكن مجرد إنحراف أخلاقي لرجل ثري، بل مخزن لا ينضب من المعلومات القابلة للتسريب وفق الحاجة.
السؤال ليس: ماذا حدث؟
بل: متى، وكيف، ولماذا تظهر تفاصيل جديدة في كل مرة؟
بدا الأمر وكأنه تحويل للغضب، فبدلاً من أن يتجه الغضب الشعبي نحو بنية النظام المالي الغارق في الأزمات، وتركز الثروة، وتآكل العقد الاجتماعي، يُعاد توجيهه نحو انحرافات النخبة الأخلاقية.
وهنا يتحول الغضب من طاقة سياسية قابلة للتنظيم، إلى انفعال أخلاقي قابل للتفريغ من خلال.. ميمات، سخرية، صدمات متتابعة، بلا أثر تراكمي قد يؤدي للإنفجار.
ثم يأتي الإغراق المعلوماتي، ففي قضية إبستين، لا نعاني من نقص المعلومات، بل من تخمتها، فالخوارزميات تدفع بالأسماء الصادمة إلى الواجهة، لا لكشف الحقيقة، بل لصناعة الذهول الرقمي.. والذهول لا يمنع المعرفة فقط، بل يعطّل القدرة على الربط والتحليل.
بينما ينشغل الجمهور بتتبع إسم ممثل أو أمير، تمر قوانين الضرائب، وتُدار الحروب الاقتصادية، وتُبرم الصفقات خارج مجال الرؤية.
لقد أصبحت الخوارزمية هي المنادي الجديد، ففي الماضي، كان خبر «حمل الملكة» يحتاج جهد لنشره، أما اليوم، تقوم الخوارزمية بالمهمة تلقائيًا وبكفاءة مرعبة.
الفضيحة الجنسية أو المالية تُحفّز ردود فعل شعبية أولية، ما يجعلها تتصدر المشهد قسرًا.
هذا الانتقاء ليس محايدًا، إنه يخلق بيئة يصبح فيها الحدث الصادم التافه أكثر حضورًا من الحدث المصيري.
لكن كيف نكسر الدائرة؟
صرخة «الملكة حامل!» أو عبارة «إبستين انتحر!»
ليستا مجرد معلومات.. بل دعوة ضمنية للتخلي عن دور المواطن والتحول إلى متفرج.
إن الوعي السياسي لا يبدأ بمتابعة الفضيحة، بل بطرح السؤال المعاكس دائمًا:
«ما الذي يحاول هذا الضجيج إخفاءه؟»
حين يشتعل «التريند» بفضيحة أخلاقية كبرى، انظر فورًا إلى اليد الأخرى للسلطة، تلك التي لا تلوّح للجماهير، بل التي تكتب الأرقام، وتوقّع القرارات، في صمت، وهذا ما يجيده النظام الأمريكي وبكفاءة منقطعة النظير.
اقرأ أيضاًكواليس قضية إبستين وتداعياتها.. فضيحة لـ كبار الساسة ورجال الأعمال.. فيديو









