قبل أسبوعين، قادتني قدماي إلى الإسكندرية في مهمة صحفية، لكن قلبي قادني إلى وجهة أخرى، سمعتُ خبراً انتشر كالنار في الهشيم: «الترام سيقف.. هذه أيامه الأخيرة».
وجدتُ نفسي أسير نحو محطة «سيدي جابر» كنتُ أشبه بمن يهرع ليلحق بوداع صديق عزيز وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة على فراش الموت.
وقفتُ على الرصيف، لا أنتظر عربة حديدية زرقاء، بل أنتظر شريطاً من الذكريات، ولما ظهر «الترام العجوز» يتهادى من بعيد، يئن تحت وطأة السنين، وصوت جرس التنبيه الخاص به يرن بنغمته التي حفظناها عن ظهر قلب، شعرتُ بلحظات حزن قاسية تعتصرني. ركبتُ، وكانت تلك أثقل خطوة خطوتها داخل وسيلة مواصلات في حياتي، في أي مدينة من مدن العالم. لم تكن مجرد “توصيلة” إلى محطة الرمل، بل كانت “المشوار الأخير”.. اللقطة الختامية في شريط طويل.
بينما الترام يتحرك، وكأنه فصل من رواية لجابرييل جارسيا ماركيز، أعادني صوت احتكاك العجلات بالقضبان أربعين عاماً إلى الوراء. نظرتُ في انعكاس زجاج النافذة، فاختفت ملامح «الصحفي» الذي غزاه الشيب، وظهر مكانه «الشاب الذي كنته زمان».
الشاب الذي كان يركب هذا الترام في عز نوات الإسكندرية القارسة، مرتدياً في شرف بدلة القوات البحرية بلونها الاسود الشتوي، التمس الدفء في وجوه الناس الطيبين.
كنا نذهب إلى أعمالنا وجامعاتنا، جيوبنا فارغة، لكن أحلامنا كانت واسعة بعرض البحر. كان الترام هو «الونس»، الجد الحكيم الذي يروي حكايات الباشوات والبسطاء الذين جلسوا على نفس المقاعد طيلة 160 عاماً.
نزلتُ في محطة الرمل، وشعورٌ بالفقد يملأني. سألتُ نفسي بمرارة: لماذا تسرقون الذكريات؟ قرار «كافكاوي» عبثي جديد يحكم بالإعدام على الذاكرة.. هل التطوير يعني أن ندوس على رقبة الأمس لنعبر إلى الغد؟.
لكن، ولأن الصحافة مهنة البحث عن المتاعب وعن الحقيقة أيضاً، لم أستطع الاكتفاء بالبكاء على أطلال الذكريات.
عدتُ وفتشت وفتحتُ بعباءة صحفي إستقصائي ملف “الوثائق ” والتقارير الاستراتيجية الخاصة بالمشروع. قرأتُ مئات الصفحات، وقلّبتُ في الخرائط الهندسية وجداول التمويل.
وهنا، وفقط هنا، أدركتُ الفارق الشاسع بين “العاطفة” التي نعيشها، و”الواقع” الذي تفرضه لغة الأرقام في ظل غيبة المعلومات وإطلاع الجمهور على مايحدث وهي مسؤلية مشتركة بين الحكومة ومحافظة الاسكندرية والصحافة الإعلام وأعضاء البرلمان بغرفتيه عن الاسكندرية.
الحقيقة التي تكشفها الوثائق هي أننا ظلمنا «المشرط» حين ظنناه «مقصلة للإعدام».
الوثائق تقول أن ما يحدث ليس قتلا للترام، بل هو عملية «قلب مفتوح» لجسد أنهكه العمر.
لماذا كانت الجراحة حتمية تجيب الوثائق وتشير بوضوح قاطع إلى أن «الترام بلونيه الأزرق والأصفر» بوضعه الحالي قد فقد وظيفته كوسيلة نقل حضري.
ومازلنا مع الأرقام، سرعة السلحفاة: فالسرعة التشغيلية للترام الحالية كوسيلة نقل رئيسية هي 11 كم/ساعة؟ هذا الرقم يعني أن الترام أصبح أبطأ من الدراجة الهوائية، وأحياناً أبطأ من المشي السريع.
سرقة الوقت: الرحلة من «فيكتوريا» إلى “محطة الرمل” تستنزف 60 دقيقةكاملة من عمر المواطن السكندري. ساعة كاملة تضيع في الزحام والتقاطعات العشوائية.
مازالنا نقرأ، عجز الحمولة: الترام الحالي ينقل 4، 700 راكب في الساعةفقط، وهو رقم هزيل جداً لمدينة يقطنها رسمياً ما يقترب من ستة ملايين إنسان.
إذن التدخل الحكومي القادم، والمقرر أن يبدأ فعلياً بإيقاف الخدمة كمرحلة أولي في فبراير ومرحلة ثانية في إبريل 2026، يهدف إلى تحويل هذا النظام القديم الي قطار مكهرب خفيف.
المستهدفات الرقمية للمشروع الجديد وفقا للالتزامات التعاقدية:
رفع السرعة إلى 21 كم/ساعة (ضعف السرعة الحالية تقريباً)، اختصار زمن الرحلة إلى 35 دقيقة بدلاً من ساعة.
مضاعفة القدرة الاستيعابية لتصل إلى 13، 800 راكب في الساعة في الاتجاه الواحد، تقليص زمن التقاطر من 9 دقائق إلى 3 دقائق فقط.
إذن الترام لن يلغى تماماً ولكن سيناله التطوير.
السؤال الذي كان يؤرقني ويؤرق كل سكندري: “هل سيتحول الترام إلى مسخ خرساني؟”كما يتخوف عشاق الإسكندرية؟
المخططات الهندسية تجيب بحذر:لكي نصل إلى هذه السرعة، لا بد من “عزل” الترام عن السيارات. لا يمكن أن يسير الترام وتتقاطع طريقه عربة كارو أو سيارة ميكروباص ثم نطالبه بالسرعة، فماهو الحل؟
الحل الهندسي جاء مزيجاً بين:
1. الجسور العلوية بطول 7.3 كم في المناطق ذات الكثافة المرورية الخانقة.
2. المسار السطحي المعزول بطول 5.7 كم، حيث يسير الترام على الأرض ولكن داخل مسار محمي بأسوار أو حواجز خضراء تمنع التداخل.
3. جزء نفقي قصير بطول 276 متراً.
ولإكمال الصورة من حديث الوثائق، تم التعاقد مع عمالقة التكنولوجيا في العالم فالقطارات الجديدة ستأتي من كوريا الجنوبية (شركة هيونداي روتيم)، مكيفة الهواء، بطول 65 متراً للوحدة، توفر رفاهية جديدة، أما الإشارات التي ستنظم هذه الحركة السريعة، فهي من صنع العقل الياباني (شركة هيتاشي). والتنفيذ؟ بأيادٍ مصرية خالصة من تحالف “المقاولون العرب” و”حسن علام”.
ولكن «هل تملك الدولة رفاهية هذا الإنفاق؟».
الإجابة في هيكل التمويل. هذا المشروع حصل على ثقة مؤسسات تمويل دولية لا تجامل. نحن نتحدث عن تكلفة استثمارية تقارب 592 مليون يورو وهو مايعادل 32 ملياراً و 856 مليون جنيه مصري 32، 856، 000، 000 منها بحسب المصادر المعلنة بنك الاستثمار الأوروبي EIB يضخ ما يصل إلى 180 مليون يورو.
الوكالة الفرنسية للتنمية AFD تساهم بـ 100 مليون يورو، الاتحاد الأوروبي يقدم منحاً للدعم الفني.
هذا التحالف الدولي يؤكد أن دراسات الجدوى التى قدمتها الحكومة المصرية أثبتت أن إعادة إحياء ترام الإسكندرية ليس مشروعاً ترفيهياً، بل هو استثمار بيئي واقتصادي ضروري لإنقاذ المدينة من الشلل التام.
هذا بخلاف ماتتحملة خزينة الدولة بالعملة المحلية.
دروس العالم: بين أمل «باريس» وكابوس «سيدني».
ولندقق في التفاصيل
درس الجمال من باريس: في فرنسا، حين أعادوا الترام T3 لم يصبوا الخرسانة في كل مكان، بل استخدموا “المسارات الخضراء” زرعوا القضبان بالنجيلةوالزهور على جانبيها فحولوا وسيلة النقل إلى حزام أخضر يزين المدينة، هذا ما نطلبه للإسكندرية، لا تجعلوا التطوير بديلاً للتراث والجمال.
درس الحفاظ على الهوية من تركيا عندما جددت إسطنبول ترامها حافظت على الهوية وخاصة في خط T1من افجيلار إلى كاباتش ويمر بالمناطق التاريخية في محطات السلطان احمد وآيا صوفيا وحافظ وفي اسطنبول في خط T2و اسموه” الحنين” على خط قديم بعرباته الحمراء التاريخية يمر بمنطقة تقسيم السياحية.
وهو نفس النهج الذي سارت عليه المملكة المغربية خاصة في كازبلانكا ترام حديث يحافظ على هوية المدينة السياحية وجمالها.
درس الخطر من سيدني: في أستراليا، وقعوا في «الفخ».
تضاعفت التكلفة وتأخر المشروع سنوات بسبب «المرافق المدفونة» (مياه، غاز، كهرباء) التي لم تكن مرصودة في الخرائط، الإسكندرية مدينة أقدم من سيدني، وباطنها «عش دبابير».
من المرافق العتيقة التحذير هنا شديد اللهجة من التجربة الاسترالية: إذا لم يقم التحالف المنفذ بمسح راداري دقيق GPR قبل ضرب أول معول، سنغرق في فوضى التأخير، وتتحول السنتان إلى خمس سنوات وفقا للتقارير الاسترالية.
أعود الآن إلى تلك اللحظة في محطة “سيدي جابر”. هل كنتُ مخطئاً في حزني؟ لا.. لا أنا ولا الآلاف الذين عبروا عن مشاعرهم عبر شبكات التواصل بأكثر من صورة، الحزن على “ألفة” الأشياء القديمة والذكريات مشروع وإنساني.الخوف كله على التراث والذكريات وهوية المدينة، نحن سنفتقد صوت الترام القديم، وسنفتقد سيره الكلاسيكي الذي كان يسمح لنا بتأمل الشوارع وتفاصيل جمال المدينة.
لكن، «المدن بتموت لما بتفقد ذاكرتها»، وتموت أيضاً حين تعجز شرايينها عن ضخ الدماء، ما يحدث هو عملية مؤلمة ضرورية، هكذا تقول الارقام.
فبراير 2026 بداية «عامين من الصبر» (24 شهراً). سنتحمل الزحام، وسنتحمل الحافلات البديلة، وسنتحمل ضجيج الآلات.
رسالتي الأخيرة، ليست «استرحاماً» لوقف المشروع كما كتبتُ وكتب غيري، بل هي «أمل ورجاء» للقائمين عليه:
نفذوا ما في الوثائق بدقة. لا تسرقوا منّا «شوارع الإسكندري» بأسوار عالية تحجب الرؤية.
اجعلوا المحطات تشبه روح المدينة لا أن تكون مكعبات زجاجية صماء. تجنبوا خطأ “سيدني” في استراليا وطبقوا جمال “باريس” والحفاظ على الهوية كما في اسطنبول والدار البيضاء وباريس.
إذا فعلتم ذلك، فإنني ومعي من أحزنهم غياب “الأزرق والأصفر” أعدكم أنني -إن كان في العمر بقية- سأقف في 2028 في نفس المحطة، لأستقبل الترام الجديد، بالتأكيد لن أكون مرتدياً بدلة البحرية، ولن تكون جيوبي فارغة، لكنني سأركبه وأنا مطمئن أن أحفادي سيجدون وسيلة مواصلات تحافظ على هوية المدينة، وتحملهم إلى أحلامهم بروح الاسكندرية الخالدة وبسرعة تناسب عصرهم، تماماً كما حملنا “الترام الازرق” إلى أحلامنا في زمن جميل.
ترام الاسكندرية لن يموت أبداِ.. فقط يغير جلده ليعيش.. هذا ما نتمناه وتبشر به الوثائق.
مصادر استند إليها المقال
الوثائق والجهات الرسمية الدولية
بنك الاستثمار الأوروبي EIB: وثيقة بيانات المشروع والأثر البيئي والاجتماعي.
الوكالة الفرنسية للتنمية AFD بيانات مشاريع النقل العام في الإسكندرية.
الاتحاد الأوروبي (EU منصة الاستثمار للجوار (بيانات المنح والدعم الفني).
البنك الدولي: مخزون المعرفة المفتوح (وثائق النقل الحضري).
مؤسسة التمويل الدولية (IFC) بيانات مشروع ترام الدار البيضاء
الوثائق والجهات الرسمية المصرية
الهيئة القومية للأنفاق: بيانات المناقصات ومشروع إعادة تأهيل ترام الرمل.
بوابة «استثمر في مصر» (الهيئة العامة للاستثمار): اتفاقيات التعاون مع الاتحاد الأوروبي.
وزارة النقل المصرية: بيانات توقيع العقود (الوحدات المتحركة والأنظمة).
الشركات المنفذة والاستشاريون
مجموعة سيسترا (SYSTRA): تقارير تصميم وإشراف مشروع ترام الرمل.
مجموعة إيجيس (Egis): عقود الاستشارات الهندسية.
شركة هيتاشي للسكك الحديدية (Hitachi Rail): عقود تحديث الأنظمة والإشارات.
تحالف المقاولون العرب وحسن علام: نطاق الأعمال المدنية والإنشائية.
هيونداي روتيم (Hyundai Rotem): عقود توريد قطارات الترام.
الدراسات وأبحاث الحالات المقارنة
مكتب المراجع العام لنيو ساوث ويلز (أستراليا): تقرير تدقيق أداء مشروع ترام سيدني.
مشروع تكاليف النقل (Transit Costs Project): دراسة حالة تكاليف المترو والترام في إسطنبول.
مبادرة «حرك مدينتك» (MobiliseYourCity): تقييم الأثر اللاحق لترامواي الدار البيضاء والرباط.
هيئة وسائط النقل الأوروبية (EMTA): دراسة التجديد الحضري لخط ترام باريس الثالث T3
اقرأ أيضاً«النقل» تنشر تفاصيل مشروع إعادة تأهيل ترام الرمل بمحافظة الإسكندرية
محافظ الإسكندرية: لا تهاون مع مخالفي تعريفة ومسارات النقل البديل لترام الرمل









