مقالات

حرب الاستنزاف.. الذاكرة التي حاولوا دفنها والزعيم الذي أعاد للدولة هيبتها

لم يكن السادس من فبراير عام 1970 تفصيلًا عابرًا في تاريخ الصراع، ولا مجرد عملية عسكرية تُضاف إلى سجل المواجهات العربية- الإسرائيلية.

كان يومًا كاشفًا لمعنى الدولة، واختبارًا حقيقيًا لفكرة القيادة، وللفارق العميق بين سلطة تُدير المشهد، ودولة تعرف قيمة أبنائها ولا تساوم عليهم.

في تلك الليلة، بدا البحر الأحمر ساكنًا على غير عادته، سكونًا خادعًا يُشبه لحظات ما قبل الزلزال.

كانت إيلات الإسرائيلية مطمئنة، لا بقوة دفاعها، بل بوهم الجغرافيا، وبثقة متوارثة في تفوقٍ اعتقدته أبديًا. لم تكن تعلم أن حرب الاستنزاف لا تعترف بالمسافات، وأن الصمت أحيانًا هو أعلى أشكال التهديد.

في الأعماق، حيث يُختصر الزمن في أنفاسٍ معدودة، تحرك رجال البحرية المصرية.

لم يخرجوا بحثًا عن بطولة مصوّرة، ولا عن نصرٍ سريع يُرفع في بيان، بل خرجوا حاملين فلسفة جمال عبد الناصر في القتال: إنهاك العدو، كسر ثقته بنفسه، وضرب إحساسه بالأمان قبل ضرب معداته.

وصلوا إلى قلب ميناء إيلات نفسه، لا إلى أطرافه.

هناك، حيث لا يتوقع العدو أن تمتد يد الحرب، زُرعت المتفجرات في أجساد السفن الحربية. دقائق قليلة كانت كافية لتحويل اليقين الإسرائيلي إلى ارتباك، والهدوء إلى فوضى، والأسطورة إلى سؤال مفتوح.

دوّت الانفجارات، فغرقت سفن، لكن الأهم أن ما غرق هو الإحساس القديم بأن العمق الإسرائيلي محصّن.

اندفع موشي ديان إلى الموقع، لا ليتفقد خسائر مادية فحسب، بل ليواجه حقيقة سياسية قاسية: حرب الاستنزاف وصلت إلى عمق الدولة، لا إلى حدودها فقط.

انسحب الرجال كما دخلوا: في صمت. سباحة طويلة، جسدٌ منهك، وقرار لا يقبل التراجع.

وحين بلغوا الشاطئ الأردني، لم يجدوا التكريم، بل وجدوا اختبارًا آخر: احتجازًا، وإنكارًا، وصمتًا رسميًا حاول أن يحوّل البطولة إلى ورقة يمكن تجاهلها.

هنا، في القاهرة، يتبدّى المعنى الحقيقي للدولة.

لم يكن جمال عبد الناصر رئيسًا ينتظر التقارير، بل قائدًا يعرف أن الجندي ليس رقمًا، وأن من يفرّط في جنوده يفقد شرعيته قبل أن يفقد سلطته.

حين وصل الخبر، لم يُدار عبر القنوات الرمادية، ولم يُترك للمجاملات العربية المعتادة.

كان الملك حسين في القاهرة، والزيارة سرية، واللحظة سياسية بامتياز.

رفع عبد الناصر الجلسة، واجتمع به، وقال كلمته بهدوء من يعرف وزن الدولة التي يقودها: إن الضيافة لا تنتهي قبل عودة الجنود.

لم يكن ذلك تهديدًا انفعاليًا، بل قرارًا سياديًا محسوبًا. وفي السياسة، كثيرًا ما يكون الهدوء أخطر من الصراخ.

بعد ساعات، تغيّرت اللهجة، فُتحت الأبواب، وعاد رجال البحرية المصرية إلى وطنهم، كما خرجوا: جنودًا أدّوا واجبهم، وعادت الدولة لتؤدي واجبها.

لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في المعركة، بل فيما جرى بعدها في الذاكرة.

فحرب الاستنزاف، بكل ما حملته من تضحيات وبطولات، تحولت لاحقًا إلى الحرب المنسية في تاريخ مصر.

لا لأنها لم تكن مهمة، بل لأنها لم تُناسب سرديات سياسية جاءت بعدها.

حرب لم تُهزم فيها مصر، ولم تنتصر نصرًا استعراضيًا، فاختارها النسيان عمدًا أو كسلًا. لم تُدرّس كما ينبغي، ولم تُروَ للأجيال بوصفها الحرب التي أعادت بناء الجيش والعقيدة القتالية بعد هزيمة 1967.

كانت حرب الاستنزاف حرب العقول الطويلة، لا الضربة الخاطفة.

حرب النفس ضد النفس، والإرادة ضد الغرور. فيها تكسّرت أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر» قطرةً بعد قطرة، وليلًا بعد ليل، دون كاميرات، ودون احتفالات. لكنها ظُلِمت لأنها لا تُختصر في يوم، ولا تُلخَّص في صورة، ولا تصلح للدعاية السهلة.

ومع مرور السنوات، جاءت ذكرى هذه العمليات، ومرّت مرور الكرام، كأنها خبر هامشي في ذيل الوعي العام.

لم يكن التجاهل بريئًا، بل كان امتدادًا لمحاولات طمس تاريخ كامل، لأنه لا يخدم روايات لاحقة، ولا ينسجم مع رغبة بعض العصور في إعادة كتابة الماضي على مقاسها.

جرى تقزيم حرب الاستنزاف عمدًا، بالصمت تارة، وبالتجاهل تارة أخرى، وكأن الاعتراف بها يفتح أبوابًا لا يريد كثيرون فتحها.

فالاعتراف بهذه الحرب يعني الاعتراف بأن مصر قاتلت قبل أكتوبر، وأن الجيش استعاد روحه وسلاحه وإرادته قبل أن يُنسب الفضل كله إلى لحظة واحدة.

ويعني أيضًا إعادة الاعتبار لمرحلة أُريد تشويهها بالكامل، لا نقدها بإنصاف.

لهذا، فإن استدعاء عملية ضرب ميناء إيلات ليس حنينًا إلى الماضي، بل مواجهة مع النسيان المتعمّد.

هو دفاع عن ذاكرة دولة، وعن رجال قاتلوا ثم عادوا إلى مواقعهم في صمت، دون أن يطالبوا بصورة أو لقب، مكتفين بأن الوطن بقي واقفًا.

لم يُحوّل جمال عبد الناصر هذه البطولات إلى مهرجانات، ولم يستثمر الدم سياسيًا.

كافأ رجاله في هدوء، لأنه كان يعرف أن النصر الحقيقي لا يُقاس بعدد التصفيقات، بل بقدرة الدولة على حماية جنودها، وحفظ كرامتهم، وعدم تركهم رهائن للإنكار أو الصمت.

لهذا يبقى جمال عبد الناصر حاضرًا رغم الغياب:

حاضرًا في ملفات الهوية، وفي معنى الدولة، وفي السؤال الذي لم يُغلق بعد: كيف تراجعت قيمة الجندي في الخطاب، بينما ظلّ هو ثابتًا في الميدان؟

قد يحاولون تشويه الرجل، لكن الإرث الذي يُبنى بالرجال، وبالدولة، وبالقرار السيادي، أطول عمرًا من الجسد، وأقسى على المحو من الذاكرة.

(محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية)

اقرأ أيضاًالمتحدث العسكري: ختام فعاليات التدريب البحري المصري – الفرنسي «كليوباترا – 2025»

عاجل.. مصر تفوز بعضوية مجلس المنظمة البحرية الدولية الفئة «C» للمرة السادسة على التوالي

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts