الإمام الليث بن سعد (1-4) – الأسبوع

الإمام الليث بن سعد (1-4) – الأسبوع


طارق عبد الحميد

طارق عبد الحميد

“ما فاتني أحد فأسفت عليه كالليث بن سعد”.. هكذا قال الإمام الشافعي حين جاء إلى مصر ليعيش فيها، إذ أخذ يبحث عن فقه إمام أهل مصر (الإمام الليث بن سعد) بين تلاميذه ومن عاصروه، فلم يجد إلا القليل. وهنا قال قولته الشهيرة: “الليث أفقه من مالك، إلا أن قومه أضاعوه وتلاميذه لم يقوموا به”. وحين زار قبر الإمام الليث وقف باكيًا، وقال: “لله أنت يا إمام لقد حزت أربع خصال لم يكملهن عالِم: العلم، والعمل، والزهد، والكرم”.

ولأن رمضان شهر اليمن والبركات والكرم، آثرنا أن نخصصه للحديث عن هذا الإمام العظيم كواحد من أهم أئمة الفقه في التاريخ الإسلامي، إذ كان صاحب مذهب وسطي ما بين أهل الحديث، وأهل الرأي.. بذكاء وبراعة نادريّن.

ولد الليث عام (93هـ) في قرية قلقشندة بالقليوبية على مقربة من العاصمة الفسطاط (لم تكن القاهرة قد بُنيت بعد) في أسرة ثرية حيث كان والده يملك ضيعة كبيرة من الأفدنة، وقد نذر ابنه الأكبر الليث للعلم والشريعة.

ومنذ صغره، حفظ الليث القرآن الكريم والأحاديث النبوية مع اتقان اللغة العربية تمامًا باعتبارها مفتاحًا لفهم القرآن والحديث. ثم اتجه إلى الفسطاط للدراسة في جامع عمرو بن العاص.. أول جامع في أفريقيا، وبه موطن العلوم الدينية والشرعية واللغة العربية، وفي مكتبته الضخمة وُجد ما لم يوجد في مكان آخر من العواصم الإسلامية- آنذاك- ذخائر العلوم الطبية والفلكية والكيمياء وغيرها باللغات: القبطية واليونانية واللاتينية، فضلًا عن علوم القرآن والحديث باللغة العربية بالطبع. وربما كان من أبرز مظاهر نبوغ الإمام الليث في الفقه أنه قد درس كافة العلوم السابقة بجامع عمرو، لا سيما وأنه قد أتقن- بجانب العربية- اللغتين اليونانية واللاتينية، إضافةً إلى اللغة القبطية (لغة المصريين قبيل الفتح الإسلامي)، والتي كانت ما زالت حاضرة وقتئذٍ.

وكان الليث صبيًا طلقة في العلم والذكاء والخُلق الحميد، لدرجة انه انتهج لنفسه- وهو ابن السادسة عشرة- مذهبًا وسطيًا ما بين أهل الحديث (المتمسكين بظاهر النصوص)، وأهل الرأي (الذين يغلبون العقل على النص)، وهو ما عرضه للوّم من جانب الفريقين، لا سيما أهل الحديث، وهو ما كان يقابله بالقول: “الحلم قبل العلم يا علماء”.

ونظرًا لثرائه اللافت، اشتهر الليث بالجود والكرم عن طيب خاطر، حيث كان يساعد زملاءه من الطلاب بالمال والثياب، لدرجة أنه كان يهدي بعضًا من زملائه الذين يسكنون بعيدًا عن جامع عمرو دوابًا لتسهل عليهم القدوم للدروس.

حين بلغ العشرين، سأله أحد العلماء من الشيوخ الكبار عن سِنه، فأجابه بأنها العشرين، فقال له الشيخ: “إن علمك لهو علم شيخ في الستين، وإن لحيتك للحية شاب في الأربعين”. ورغم كفاءته العلمية لم يجرؤ الليث على أن يؤسس حلقة للعلم بجامع عمرو بن العاص كالمشايخ الكبار رغم مطالبة الجميع له بذلك، وهو ما حدث حين بلغ الثلاثين من عمره بعد أن سافر إلى الحجاز للحج والعمرة أكثر من مرة، حيث التقى بكبار العلماء والفقهاء من كافة أنحاء العالم الإسلامي مثل: شهاب الزهري، وربيعة الرأي (وكان الليث يعتبره أستاذه)، ونافع (مولى عبد الله بن عمر)، فضلًا عن صديقه الإمام مالك بن أنس، والإمام أبي حنيفة النعمان، وغيرهم. ومما يروى عن ربيعة الرأي أنه كان يقول: “لا أخشى أحدًا من الطلبة والعلماء في نقاش إلا من ذلك الوجيه المصري (يقصد الليث)”.. وللحديث بقية.

Exit mobile version