صرخة تحذير – الأسبوع

صرخة تحذير – الأسبوع

إن الحادثة المفجعة التي حدثت أمام صرح تعليمي كبير في مصر الجديدة هي ليست معزولة في سياقنا الحالي، بل تفتح جرحًا غائرًا في وجدان المجتمع المصري، وتطرح سؤالاً لم يعد يقبل التأجيل، هل تحولت المؤسسات التعليمية من محاضن للتربية والتنوير إلى مجرد جدران صماء تمنح شهادات ورقية بينما يفشل الإنسان في أول اختبار أخلاقي وإنساني؟.

إن طعن شاب لزميله في محيط جامعي بسبب «التنافس على الحب» ليس مجرد جريمة جنائية، بل هو عَرَض لمرض مجتمعي عضال ضرب بنية النظام التعليمي من الحضانة وحتى الجامعة، غياب «التربية» عن وزارة التربية والتعليم لقد سقط الشق الأول من مسمى الوزارة (التربية) وكذلك الشق الثاني العالي عن وزارة التعليم العالي منذ عقود، وأصبح التركيز منصباً بالكامل على «الحشو» وتحصيل الدرجات للعبور من بوابات التنسيق، لقد تسبب إهمال الذكاء العاطفي لا ليتعلم الطالب في مدارسنا كيف يدير مشاعره، كيف يتقبل الرفض، أو كيف يتعامل مع الغيرة والإحباط، ترسخ ثقافة «الأنوات المتضخمة» النظام التنافسي الشرس على الدرجات يربي طفلاً يرى في زميله «خصماً» يجب سحقه، بدلاً من كونه رفيقاً في رحلة تعلم.

التعليم الجامعي: شهادة بلا وعي، من المفترض أن تكون الجامعة هي مرحلة النضج الفكري، لكن الواقع يقول إن الطالب يصل إلى الجامعة وهو «منهك نفسياً» وخاوٍ من أي تكوين قيمي حقيقي، فمع تحجيم الأنشطة الطلابية غياب المسرح، الفنون، والندوات الفكرية الحقيقية أدى إلى فراغ روحي. هذا الفراغ لم يجد ما يملؤه سوى ثقافة “العنف” المستمدة من الدراما المشوهة ومنصات التواصل الاجتماعي، فضلا عن انفصال الحرم الجامعي عن القيم فعندما تصبح الجامعة مجرد مكان لإلقاء المحاضرات والامتحانات، تفقد دورها كـ “مجتمع مدني مصغر” يعلم الشباب آداب الاختلاف، والتعامل الراقي بين الجنسين، وحرمة الجسد والحياة.

انهيار القدوة وتغول ثقافة «البلطجة» حيث لا يمكن فصل فشل التعليم عن البيئة المحيطة، فبينما يدرس الطالب (نظرياً) قيم التسامح، يرى في الواقع والدراما أن «البطل» هو من يأخذ حقه بيده، وأن العنف هو وسيلة إثبات الرجولة وفرض السيطرة، فضلا عن ذألك غياب الأخصائي النفسي والاجتماعي في معظم المدارس والجامعات، دور الأخصائي هو دور «إداري» فقط، بينما نحتاج اليوم إلى جيش من المتخصصين لترميم النفوس المحطمة قبل أن تتحول إلى وحوش بشرية، ان الفشل في بناء الإنسان لا الآلة.

إن نجاح أي نظام تعليمي في العالم لا يُقاس بعدد المهندسين والأطباء الذين يخرجهم، بل بقدرة هؤلاء على ضبط انفعالاتهم والعيش بسلام داخل المجتمع، أن تخرج طالباً يحفظ قانون الجاذبية ولكنه لا يتردد في إزهاق روح زميله، هو قمة الفشل التربوي، عندما يصل شاب إلى مرحلة الترصد لزميله وطعنه في قلبه، فهذا يعني أن منظومة القيم لديه قد ماتت قبل ضحيته بسنين، وأن المدرسة والجامعة والأسرة فشلوا جميعاً في غرس قيمة قدسية الحياة.

هل من فرصة أو مخرج؟، إن علاج هذا الفشل لا يكون بتشديد الرقابة الأمنية داخل الجامعات فحسب، بل بـ إعادة صياغة المناهج: لتشمل مادة الأخلاق والتعامل الإنساني كركيزة أساسية لا تنجح بغيرها، تفعيل دور الإرشاد النفسي: وجعله متاحاً وبخصوصية تامة للطلاب الذين يعانون من اضطرابات عاطفية أو أسرية، لابد من إحياء القوة الناعمة بإعادة الفن والرياضة والمناظرات لتكون هي المتنفس الحقيقي لطاقة الشباب بدلاً من الانغلاق الفكري الذي يولد الانفجار.

إن الجريمة التي هزت الحي الذي حدثت فيه هي «صرخة تحذير» أخيرة، فإذا لم يستعد التعليم روحه التربوية، سنظل نبني مبانٍ شاهقة للجامعات، بينما نهدم الإنسان بداخلها.

اقرأ أيضاًمحافظ الشرقية يتفقد مصابي حادث «طلاب بلبيس» ويوجه بتقديم الرعاية الطبية

جامعة العاصمة تطلق خطة شاملة لتطوير مكتبتها المركزية

مدير تعليم القاهرة تجري جولة مفاجئة بمدارس الشرابية لمتابعة الانضباط المدرسي

Exit mobile version