فلسفة النهايات السعيدة في دراما رمضان – الأسبوع

فلسفة النهايات السعيدة في دراما رمضان – الأسبوع

معنى القصة لا يظهر إلا عندما نصل إلى آخرها”.. .هكذا قال الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، ومَن منا لا يبحث في حياته عن “المعنى”؟،

أما الكاتب الإنجليزي ويليام شكسبير فيرى أن “كل شيء ينتهي جيداً إذا كانت النهاية جيدة”، إذن.. فالنهاية تعيد تفسير الحكاية، وإذا كانت النهايات “مضيئة” ينكشف معنى الرحلة، مثلما يرى الكاتب البرازيلي باولو كويلو كيف “أن الإنسان يسير في رحلته، والكون يساعده في تحقيق حلمه إذا سعى إليه كما يجب”.

ولطالما رأى الأدباء والفلاسفة أن السعادة في الخطوة الأخيرة، تضع الإنسان في لحظة استقرار نفسي واجتماعي، وتجعله “يؤمن” بمسيرته، فالسعادة في الخاتمة ليست مجرد “مكافأة نهاية الرحلة”، وإنما ضرورة فنية ونفسية، وكأن الحلقة الأخيرة في أي مسلسل تعيد ترتيب الأحداث في ذهن المتفرج، وتبعث فيه “الرضا” عن “مجمل الحدوتة”، وتشعره بأن وقته لم يضِعْ هباءً، وأن صُناع العمل الفني لم “يغفّلوا” الجمهور ويسرقوا من عمره زمناً لن يعود.

لا يجيء «الختام السعيد» مجرد قرار درامي، بل تعبير عن رغبة حقيقية في إعادة التوازن النفسي للجمهور، بعد طوفان دموع انهمرت حزناً على ما يجري للبطل والبطلة، وكأن كل مأساة، وكل خيانة، وكل صدمة، يمكنها أن تنفرج بابتسامة ومصالحة، كما في الحكايات القديمة، وتوتة توتة خلصت الحدوتة، لتتحقق مقولة جبران خليل جبران: “وراء كل شتاء ربيع ينتظر”.

في النقد الأدبي، هناك مصطلح يسمى “العدالة الشعرية”، وهو الفكرة التي تحتم انتهاء الحكاية بإعادة التوازن الأخلاقي للعالم، حتى لو كان الواقع غير متوازن، فالدراما عند أرسطو، تسعى للتطهير، كما يرى الناقد الإنجليزي “توماس رايمر” أن الفن الحقيقي لا بد أن ينتصر فيه الخير على الشر، كمحاولة “إصلاح” للواقع، ولو بشكل رمزي، وإذا كانت مقولة “الحياة ليست عادلة” صائبة تماماً، فإن الدراما تحاول تحقيق العدالة، حتى لا تنفطر قلوب الجماهير.

وإذا كان الأديب الفرنسي “فيكتور هوجو” يعتبر الخيال “طريقة لإصلاح الواقع، وليس مجرد الهروب منه”، فإن دراما رمضان، ذات الـ”15” حلقة، ودّعت المشاهدين حين انتصف الشهر الكريم، واختارت أعمال مثل “كلهم بيحبو مودي”، و”الست موناليزا”، و”اتنين غيرنا”، وغيرها، أن تمنح الحكاية نهايات سعيدة، بعد رحلة شاقة من الصراع، وكأنها تقول للجمهور: حتى في أحلك الأوقات ظلمة، سوف يطل القمر حاملاً معه نور الأمل.

تصدر هاشتاج نهاية “اتنين غيرنا”، مواقع التواصل الاجتماعي، بـ”حفل الزفاف” السعيد للبطل والبطلة (آسر ياسين ودينا الشربيني)، وهي النهاية الرومانسية الكلاسيكية التي تسعد الجماهير منذ زمن الأبيض والأسود، بعد سيل “الشتائم”، و”السباب” بحق البطل “التوكسيك” الذي تخلى عن حبيبته، لتعود النغمة إلى “إيقاعها” الممتع، ويجتمع شمل الحبيبين، في حفل زفاف مبهر، وسط الزغاريد والرقصات و”ضيوف الشرف” من كبار النجوم، لتحقيق المزيد من “سعادة النهاية”.

أما مسلسل “الست موناليزا”، والتي أبكت فيه “مي عمر” ملايين الفتيات، ممن تورطن بمشاعر التعاطف مع البطلة التي ذاقت من العذاب ألواناً، بسبب زوجها المتسلط، وحماتها “الأرشانة”، وهو بالمناسبة مسلسل مأخوذ عن قصة حقيقية، ومأساة عاشتها إحدى الفتيات، فأراد صناع العمل اختيار “نهاية سعيدة” لم تعِشها البطلة الحقيقية في الواقع، فخرجت من قفص الاتهام، واستردت كرامتها المهدرة، وانفتحت لها أبواب الرزق، وأصبحت سيدة أعمال لها هيبتها ووقارها.

فلسفة الأمل، بالنهايات السعيدة، فكرة دافع عنها الأديب الروسي “ليو تولستوي” حين رأى أن الأدب ينبغي أن يذكّر الإنسان بأن هناك “خيراً” ينتصر في عالم مليء بالشرور والتناقضات، وبعد مشوار الإتجار في المخدرات، في مسلسل “هي كيميا”، يعود البطلان “مصطفى غريب ودياب”، إلى جادة الصواب، ويدركان فداحة الفعل الإجرامي، ويقرران إبلاغ السلطات عن مافيا المخدرات، ويكشفان عن أسماء متورطة في جلب السموم للبلاد، برغم “ترك الباب مفتوحاً” لتهديدات جديدة، ربما جاءت كتمهيد لجزء ثانٍ، أو لـ”خربشة خيال الجمهور” في اللحظات الأخيرة، بعد تحقيق الرضا النفسي، لتحقيق المزيد من الجدل على مواقع التواصل.

وتحولت الحلقة الأخيرة، لمسلسل “كلهم بيحبو مودي” إلى لحظة مصالحة عامة بين الشخصيات، أعادت ترتيب العلاقات التي تفككت على مدار الحلقات السابقة، ليزول سوء التفاهم، وتنكشف الحقائق، وتعود المياه إلى مجاريها، والكل “صافي يا لبن حليب يا قشطة”، لترتسم البسمة على شفاه المشاهدين، قبل الأبطال، وبعد سلسلة من الفشل والديون، يعود البطل “فخر الدلتا” إلى قريته بعد نجاحه في تنفيذ حملة إعلانية كبرى، لتوصيل رسالة تفاؤلية مهمة، بأن النجاح ليس في الهروب من الجذور، بل في العودة إليها أقوى، بينما حمل مسلسل “صحاب الأرض” أملاً سياسياً وإنسانياً، بوقف إطلاق النار، ومصير مؤلم تستحقه المتحدثة باسم الكيان، واعتبرها الجمهور نهاية رمزية أكثر من كونها سعيدة بالكامل.

أما التأرجح بين “الواقع المؤلم”، و”الأمل المنشود”، فقد ظهر بوضوح في الحلقة الأخيرة من مسلسل “عين سحرية”، للنجمين عصام عمر وباسم سمرة، فبرغم فضح الجرائم، وكشف المتورطين، وتعرية شبكة الفساد، إلا أن جزءاً من الحقيقة ظل متوارياً خلف ستار النفوذ، خارج نطاق الحساب والمساءلة، أفلت البعض من العقاب، ولم تمنح النهاية العدالة الكاملة، ليظل مكعب الحياة خافياً أحد الوجوه!

رسائل أخرى حملها مسلسل “توابع”، في الحلقة الأخيرة، بإبراز قيمة اللجوء إلى الخالق وقت الأزمات، وترسيخ قيمة العطاء كمسؤولية مجتمعية بالتبرع لإحدى الجمعيات الخيرية، عن طريق البطلة ريهام حجاج. فيما اختارت هند صبري في مسلسلها “مناعة” مواجهة ماضيها بكل شجاعة، وكشفت تفاصيل مخطط مافيا عالم المخدرات.

ويرفض البعض “النهايات السعيدة”، باعتبار أن الحياة لا تمنح السعادة المطلقة، كما يعتبرون لجوء صناع العمل إلى “الطمأنة” في النهاية، قراراً “إنتاجياً” يحقق شعبية جماهيرية للمسلسل، بغض النظر عن منطقية الصراع، وهو ما فعله صناع مسلسل “سوا سوا”، بوضع نهاية مأساوية ووفاة البطلة، أو استمرار الصراع العائلي في مسلسل «كان يا ما كان»، وتشتت الابنة، ولكن فيما يبدو أن “الدراما العربية” ما زالت تؤمن بفكرة “فتح نافذة الضوء والأمل”، فالإنسان، كما يقول الشاعر جبران خليل جبران “لا يعيش بالخبز وحده، بل بالحلم أيضاً”.

وبوجه عام، فإن جمهور رمضان، لا يعتبر الدراما مجرد “أعمال فنية” فقط، ولكنها “جزء من العائلة”، وأحد الطقوس المعتادة التي تمنح “الطمأنينة” في نهايات ينتصر فيها الخير على الشر، حتى لو كان الطريق طويلاً مليئاً بأشواك العنف والصراع، ولذلك، فإن المتأمل لدراما رمضان السنوات الماضية، يجد أن أنجحها ما “أسعد” الجمهور، و”أثلج صدره” بنهايات وردية تنصف المظلوم، وتعيد إليه الحياة الآمنة، بعد طول معاناة، والقائمة طويلة منها “ذئاب الجبل” الذي شهد “لم شمل البدري ووردة”، و”أوان الورد” حيث “عاد الابن المخطوف”، مروراً بـ”البرنس” الذي انتقم لنفسه والتقى بحبيبته في مشهد الزفاف الأخير، وانتهاءً بـ”جعفر العمدة” حيث انكشفت خيوط المؤامرة.

والقائمة طويلة لا يمكن حصرها، وبالمناسبة، لم يغفر الجمهور النهاية “الصادمة” لمسلسل مثل “شرف فتح الباب” للنجم يحيى الفخراني، 2008، وظل مثار جدل لفترة طويلة بسبب “انحراف البطل الأمين” في اللحظات الأخيرة!

اقرأ أيضاً«المتحدة» تعيد نجوم الزمن الجميل إلى الشاشة الرمضانية

ملخص وننسى اللي كان الحلقة 18.. تطور جديد في علاقة بدر بـ جليلة

Exit mobile version