أفلام مؤجَّلة وموسم مهدَّد.. صناعة السينما تحت رحمة «قرار التاسعة» – الأسبوع

أفلام مؤجَّلة وموسم مهدَّد.. صناعة السينما تحت رحمة «قرار التاسعة» – الأسبوع

في المدن التي لا تنام، لا تُقاس الحياة بعدد الساعات، بل بنبضها، ومنذ اختراع السينما، وهي أشبه ما يكون بـ«وعد ليلي» يحققه الخيال، وطقس جمعي يؤديه الجمهور، بعد أن ينتهي النهار من ضجيجه، وتبدأ الأرواح في البحث عن معنى آخر للوجود.إنها ليست مجرد «شاشة» تُضاء في أي وقت، ولا نشاط تتم ممارسته في وضح النهار، لكن السينما كما يصفها صناعها «فسحة ليلية»، يهرب إليها الوجدان من الواقع، ولو مؤقتًا.

وفجأة، أواخر مارس، وبقرار حكومي، لدواعٍ اقتصادية، يتم إجبار الفسحة على الانكماش، ولم تعُدِ الساعة التاسعة موعدًا لبدء الحكاية، كما اعتادتِ الجماهير منذ زمن طويل، بل أصبحت إيذانًا بالرحيل «القسري» عن ساحة الضوء، قبل أن يكتمل الحلم، وكأن قرار الإغلاق لم يكن، هنا، مجرد «تنظيم إداري» لساعات العمل، ولكنه أشبه بـ«التدخل العنيف» في أكثر عناصر الفن هشاشة: وهو الزمن!

وصف الفيلسوف الفرنسي «هنري برجسون» السينما بأنها «مدة شعورية» يعيشها الإنسان من الداخل، حين يتداخل الإحساس بالوقت مع التجربة ذاتها، وإذا تم اقتطاع هذا الامتداد قسرًا، أصبحتِ التجربة مبتورة، فالزمن خصم خفي، وناقد لاذع لا ترضيه أنصاف الأشياء، والناقد الفرنسي «أندريه بازان» يرى أن الصورة السينمائية «تحرير للواقع داخل الزمن»، أي أن الجمهور «يعيش الفيلم»، داخل إيقاع زمني خاص، لا يمكن اختصاره لظروف خارجية، وحين يذهب أحدهم إلى صالة السينما، لا يقصد الفرجة على أحداث درامية فحسب، بل يهرب من زمنه اليومي إلى زمن آخر، أكثر حرية، وأكثر عمقًا، باختصار، فإن لحظات الفرجة هي «بحث عن وجود» من نوع خاص.

يقول الروائي الفرنسي «مارسيل بروست» إن «الزمن الذي نعيشه يختلف عن الزمن الذي نقيسه»، وهكذا يتحول القرار الإداري بالغلق في التاسعة، إلى «مونتاچ قسري»، قَطْع مفاجئ لمشهد لم يصل إلى ذروته، بعد، لتتغير خريطة «زمن الفرجة»، وتفقد السينما «ليلها المنشود»، وتختزل التجربة السينمائية في «فرجة مبكرة» لا يستقيم ميقاتها مع المزاج الفني، فالسينما وُلدت في الظلام، كيف لها أن تعيش في وضح النهار؟ ولعل الأزمة الحقيقية ليست في «الساعة التاسعة»، بل فيما تمثله دقاتها، فالسينما تجارب إنسانية مرتبطة بإيقاع خاص، إيقاع يبدأ حين يهدأ العالم، وإذا تُطفأ الأنوار مبكرًا، لا تغلق دور العرض أبوابها فقط، وإنما تغلق طريق الحلم، في وجوه التائهين.

«صدمة» قرار الإغلاق كان أول ضحاياها موسم عيد الفطر، ووقعت «4» أفلام في قلب الارتباك، فجأة، بلا تمهيد، كتب عليها القرار ألا تنافس بعضها البعض، وإنما تنافس الزمن نفسه: برشامة، إيجي بيست، فاميلي بيزنس، وسفاح التجمع، وما كاد الأخير ينجو من مقصلة المنع، حتى فجعته التوقيتات المفروضة عليه، وبعد انتعاش الموسم بأكثر من «150» مليون جنيه، يتوقع خبراء أن تتجمد الأرقام بتقلص عدد الحفلات اليومية، و«قص» أهم حفلة (9 مساء)، التي كانت «وقت الذروة» وصانعة النجاح الجماهيري للأفلام.

لم يمثل قرار الغلق ضغطًا على الأفلام المعروضة، فقط، بل امتدت ظلال الأزمة إلى أفلام لم تعرف طريقها، بعد، إلى دور العرض، كان ينتظر أصحابها «توقيتًا يليق بها»، ووفقًا لتصريحات صناع السينما، كان هناك عدد من الأفلام «واقفًا على الأعتاب»، ينتظر إضاءته على الشاشات، بالتزامن مع شم النسيم وعيد القيامة، منها «إذما» لأحمد داود وسلمى أبوضيف، و«القصص» لنيللي كريم وأمير المصري، وقرر الثنائي وغيرهما التراجع للوراء، رغم كونها جاهزة، انتهت مراحل تصويرها ومونتاچها، كعروس تزينت انتظارًا للحظة الظهور على خشبة مسرح ليلة العمر، فهمس لها العريس أن «عليه الاستئذان مبكرًا، قبل وصول المعازيم!».

وبرغم إعلان سريان القرار لمدة شهر، فقط، فإن المخاوف تتصاعد، والتساؤلات تتقافز في عقول صناع السينما: كيف يخاطرون بأموالهم في «موسم مبتور»؟ كيف يقدمون أفلامًا بلا حفلات ليلية؟ هل يأتي جمهور «نهاري مقيد» إلى قاعات كحل عينيها السهر؟ إلى متى يستمر القرار؟ متى تعود حفلات التاسعة وهي «العمود الفقري للإيرادات» بحسب وصف الفنانة الكبيرة إسعاد يونس، نائب رئيس غرفة صناعة السينما؟

وإذا كان «موسم الفطر» قد تلقى الضربة الأولى المفاجئة، فإن الخطر الحقيقي يهدد الموسم الأكبر: الأضحى، الذي يترقبه صناع السينما لتكليل مجهوداتهم، وتنتظره الجماهير بشغف ولهفة، لإراحة أذهانهم بعد موسم دراسي ثقيل، في موجة صيف حارة لا يطفئ لهيبها إلا «نسائم ليالي السينما»، تلك الليالي سيغيب عنها القمر في حال امتد قرار الغلق، ليتبخر حلم التتويج لعدد من أفلام السوبر ستارز: محمد رمضان بفيلمه «أسد» الذي طال انتظاره في العرين، ومحمد إمام الذي يحاول استعادة عرشه الضائع بعد تراجع مسلسله الأخير «الكينج»، بفيلم «صقر وكناريا» في أول تعاون مع شيكو، والفنانة الشابة يارا السكري، التي أثارتِ الجدل بثنائيتها مع أحمد العوضي في مسلسل «علي كلاي»، وأحد أضخم الأفلام العربية «7 Dogs» للنجمين أحمد عز وكريم عبد العزيز، وتتراكم الأفلام داخل العلب، بحثًا عن نافذة عرض بمواقيت عادلة، لتظهر مشكلة أكثر تعقيدًا: سوق مؤجل ينتهي بتكدس الأفلام في توقيت واحد، فيترنح الجميع، ربما لم يخطر ببال الرئيس الأمريكي، وهو «يشعل النار»، ويزحف نحو «النفط الإيراني»، أن زحفه سوف «يطفئ الوهج»، و«يهرس» مواسم سينمائية يقتات عليها آلاف البشر.

بدا «قلب الموسم» وكأنه يتوقف عن النبض، يتراجع الخفقان، وتهبط الدورة الدموية التي تضخ الحياة في الأوصال، وبدأ المنتجون في اكتشاف معادلات جديدة ذات حسابات «باردة»، ألقت بهم في بحر متلاطم من «أزمة الثقة»، كل مراكبها سيناريوهات مخيفة، لن نقول سوداء، ولكنها سيناريوهات متوقعة حول تقليل الإنتاج، بعد تحويل قرار الإغلاق المؤقت إلى تهديد طويل المدى، ولن نذكر المسرح هنا كضحية صامتة، لأنه بالفعل يعيش مرحلة «سكرات الموت»، فما يضير الشاه سلخها، بعد ذبحها؟؟

وما أشبه الليلة بالبارحة، عادت للأذهان لحظات ثقيلة، حينما أطفأت جائحة كورونا أضواء السينما بالكامل، في نفس شهر مارس (الحزين)، دخلتِ الشاشات في «مائة يوم من العزلة» إجباريًّا، وقتها كان المنع «صحيًّا»، والرغبة مشتعلة، أما الآن، فالإتاحة موجودة، لكن التجربة مبتورة، والرغبة متآكلة، وقتذاك كان المنتج يؤجل لأنه مضطر، أما الآن فهو يقدم خطوة ويؤخر ثانية، لأنه «غير مطمئن»، وقت الجائحة أثبت الفن أنه ينجو من الغياب، لكنه الآن يترنح في «نصف الحضور»، كمن «عاش نصف حياة، ومات نصف موت»، على حد تعبير الشاعر اللبناني جبران خليل جبران!!

اقرأ أيضاًخاصl ناقد فني يكشف تأثير قرار غلق دور العرض السينمائي مبكرًا

المهن السينمائية توجه الشكر إلى عمرو الليثي لدوره بعد إعادة عرض «سفاح التجمع»

اليوبيل الفضي.. «الثقافة» تعلن عودة المهرجان القومي للسينما المصرية في دورته الـ25

Exit mobile version