في زمن يعلو فيه الضجيج، ويخفت صوت الأسئلة، يبدو استدعاء سيرة رجل مثل الدكتور مصطفى محمود، وكأنه محاولة إنقاذ «معنى قديم» من الضياع، فلم يكن مجرد طبيب تخلى عن سماع نبض الجسد، لينصت إلى «ارتباك الروح»، ولا كاتب يتدبر حكمة الخالق، ويحاول تبسيطها في عبارات عميقة منجزة، ولم يكن إعلاميا يستعرض شرائط وثائقية للكون من حولنا، ويعلق عليها بما أوتي من معنى، بل كان مشروع سؤال مفتوح: سؤال يبدأ بالشك، ولا ينتهي عند اليقين.
مصطفى محمود لم يكن «نموذج حياة» أو «حكاية نجاح» فقط، بل كان «رحلة صراع»: بين «العلم والإيمان»، بين الجسد والروح، بين الإنسان والعالم، بين الفلسفة والواقع، ولذلك تبدو سيرته «مادة درامية» تحاكي نفسها، بنفس درجة الجاذبية والخطورة، معاً، لا تحتمل التبسيط ولا تقبل التقديس، فكلاهما ظالم لهذا «الكيان الإنساني» الذي يصبح إنتاج مسلسل عنه بمثابة دخول في حقل ألغام، خرائطه موشومة في «الوعي»، كأكبر اختبار للدراما: هل تستطيع الاقتراب من عقل عاش حياته كلها في محاولة لفهم الوجود؟
العبقرية.. ليست «هبة هادئة» كما يتوهم البعض، ولكنها «قلق أبدي» ينهش عقل صاحبه بملايين الأسئلة، «لعنة» لا ترحمه في صحوه ونومه، منذ الفيلسوف اليوناني «أرسطو» الذي ربط بين العبقرية و«الاختلال الخلاق»، وصولاً إلى الألماني «نيتشه» الأكثر قسوة حين رأى أن العبقري «يحترق ليضيء للآخرين»، تبدو المعرفة (والحكمة) نوعا من التضحية الإجبارية.
وهكذا يمكن قراءة سيرة مصطفى محمود، كعقل عاش العبقرية (وعاشته)، في رحلة شك لا تنتهي، كان يفتح بوابات من الأسئلة بلا إجابات نموذجية، ومَن يتأمل بعض كلماته التي أطلقها في تسعينيات القرن الماضي، سيصدم من فرط «تحققها» بعد عشرات السنين، وكأنما أوتي نبوءات المستقبل، وكأنما كان يتأمل، وقتذاك «بللورة المعرفة»، حين حذر الأجيال الجديدة بقوله: «لن تكون مشكلتكم في الجهل، بل فيضان المعلومات حتى تغرق الحقيقة في كثرتها، وسيأتي زمن تصبح فيه المعرفة متاحة للجميع، لكن الحكمة نادرة كالماء في الصحراء، وغيرها من العبارات التي يمكن استخدامها كـ«تعليق صوتي» على الأحداث التي نعيشها الآن، بكل تفاصيلها المدهشة.
وبشرعية قانونية وأدبية في الحصول على حقوق السيرة الذاتية من ورثته، وبعد سنوات من تعثر وتأجيل المشروع الدرامي الضخم، يتجدد الحديث عن البدء في تنفيذ مسلسل «مصطفى محمود»، لعرضه في رمضان المقبل، للمخرجة كاملة أبو ذكري، والمؤلف محمد هشام عبية، ولعله قرار ثقافي، أكثر منه فنيا، وبما أنه يحمل عنوان «من الشك إلى اليقين»، لا بد أن «نتشكك» أولاً في المادة الدرامية الثرية
«شديدة الحساسية» لهذا الرجل الذي كتب في الدين والفلسفة والعلم، وأعاد صياغة علاقة الجمهور العربي بالمعرفة، وعاش تحولات فكرية وعقائدية معقدة، وتكمن الخطورة في تحويله إلى مجرد «واعظ تليفزيوني»، أو «حكيم جاهز الاقتباس»، بينما هو في الحقيقة «إنسان كان يتعثر، يتأمل، يشك، ويعيد بناء نفسه»، اكتملت كل عناصر الدراما في حياته: من صراع، ذروة، تحول، تناقض، ورحلة.
وبرغم تضارب التصريحات، وعدم الإعلان رسميا، حتى كتابة السطور، عن «بطل المسلسل»، إلا أن المعيار الأهم لاختياره، هو قدرته على أن «يفكر أمام الكاميرا»، لا أن يمثل فقط، وانحصرت التكهنات في «قائمة قصيرة» من النجوم القادرين على «الأداء الداخلي العميق»، دون التركيز فقط على «ملامح الشكل الخارجي»، في مقدمتهم خالد النبوي، بما لديه من حضور فكري، وصوت قادر على «حمل» النصوص الفلسفية، وهو نفس الاسم الذي ارتبط بالمشروع منذ محاولاته الأولى قبل 10 سنوات، برغم نفي المخرجة.
وتردد اسم آسر ياسين، بما يمتلك من قدرة على تقديم الصراع الداخلي، خاصة في الشخصيات المركبة والمعقدة درامياً، كما رشح النجم طارق لطفي، بملامحه الهادئة التي تخفي براكين القلق، وبعد نجاحه اللافت في رمضان الماضي، تم طرح اسم حمزة العيلي كـ«ترشيح ذكي» ينطلق من قدرته النادرة على التعبير عن القلق الإنساني الصامت، دون انفعالات مباشرة، بما يشبه «الاحتراق الداخلي» الذي نشعر به في نظراته، وسكناته، في عباراته التي يقولها، أو حتى لا يقولها، وربما هذا ما تحتاجه شخصية كـ «مصطفى محمود»، رجل لم يكن صاخباً في يقينه، بل متردد في شكوكه، والرهانات هنا ليست على «كاريزما النجومية»، بل على «صدق وجودي» يجعل المشاهدين يرون «العقل وهو يعمل»، حتى دون صوت، ويتقاسم البطل عبء النجاح مع المؤلف (بالعمق النفسي في الكتابة)، والمخرجة (بمدرسة الواقعية الإنسانية المعروفة عنها).
وفي زمن السرعة، تتقافز الأسئلة حول إنتاج «دراما السير الذاتية»، وهل تعد «ذاكرة بديلة» أمام الأجيال الجديدة، لمعرفة التاريخ، أم لإعادة تفسيره مرة أخرى، وتقديم الرموز خارج «المقررات الدراسية النمطية»، لخلق صلة وروابط إنسانية بينها وبين الجمهور، لكن تكمن خطورة معالجتها درامياً في اختزال الفكر في مواقف درامية مسطحة، وتحويل الشخصيات المعقدة إلى «أيقونات مريحة» بلا تناقضات، أشبه بالملائكة التي لا تخطيء، وعلى العكس، يمكن «جرجرة الشخصية» إلى مستنقع الخطايا، بحجة «عدم التقديس»، أو «رؤية الشخصية من زاوية جديدة»!
ومع شخصية مثل مصطفى محمود، فالخطأ ليس مجرد «وجهة نظر درامية»، بل تشويه فلسفي، فكيف تقترب الدراما من الفكر دون أن تفقد جاذبية مشاهدتها؟ كيف يعاد اكتشاف الرجل كتجسيد درامي حي لرحلة إنسان مع الشك، في نسخة جذابة ترضي الجمهور دون أن تخون الحقيقة، ليست المشكلة فيمن يجسد الشخصية، بل كيف يمكن روايتها؟
ومع كاتب يبحث في الداخل، ومخرجة ترى الإنسان، لا يمكن رواية الرحلة بخط زمني تقليدي، بل «بناء ثنائي الزمن»، والتنقل بين مراحله العمرية (كطبيب شاب، ومفكر قلق، وشيخ متأمل)، مع ربطها بالأسئلة المتكررة الحائرة بلا إجابات، وتجسيد صادق لـ«حلبة الصراع الداخلي» التي تطحن هذا الإنسان مع أفكار الإلحاد والإيمان، والشك واليقين، ومزج احترافي (غير مباشر) بين النصوص الفلسفية والمشاهد الرمزية، دون وقوع في فخ الخطابة والجمود السردي النخبوي، مع تفكيك الأسطورة كإنسان يخطئ ويتغير، لا كأيقونة ثابتة، وبين الإنسان الذي يعيش، والعقل الذي يسأل، بين الخاص والعام، بين حياته الشخصية ومشروعه الفكري والفلسفي.. .أي مصطفى محمود سنرى؟
أما جمهور رمضان.. .فهل هو مستعد لهذه النوعية من الدراما، وسط إيقاع لاهث وصراعات مباشرة مع الواقع؟ يبقى معيار النجاح الجماهيري ليس «مَن هو الشخص»، بل «كيف نحكيه؟» فهل تستطيع الدراما أن تتحمل عقلاً مختلفا مثل عقل الدكتور مصطفى محمود؟!
اقرأ أيضاًحقيقة تعاقد خالد النبوي على مسلسل «مصطفى محمود» رمضان 2027 | خاص
ابنة مصطفى محمود: خالد النبوي الفنان الأنسب لتجسيد شخصية والدي في مسلسل رمضان 2027
