مرت أيام على الهدنة التي روج لها كنافذة محتملة لاحتواء التصعيد، لكن المشهد اليوم يبدو أكثر تعقيدًا مما كان عليه لحظة إعلانها.
لم تثمر المفاوضات عن اختراق حقيقي، ولم تنجح الدبلوماسية في تحويل التهدئة المؤقتة إلى مسار مستدام، بل على العكس، كشفت التطورات أن ما جرى لم يكن سوى إعادة تموضع داخل صراع لم تتضح نهاياته بعد.
لم يعد الفشل في المفاوضات مجرد نتيجة متوقعة لمسار شائك، بل أصبح مؤشرًا على تحول أعمق في طبيعة الأزمة ذاتها.
فالأطراف لم تعد تتعامل مع التفاوض كوسيلة للحل، بل كأداة ضمن أدوات إدارة الصراع، تستخدم لكسب الوقت، أو إعادة ترتيب الأوراق، أو حتى اختبار نوايا الخصوم دون التزام حقيقي بتسويات نهائية.
في هذا السياق، يمكن فهم تعثر المفاوضات من خلال تداخل عدة عوامل، أبرزها اختلال ميزان التوقعات بين الأطراف، حيث دخل كل طرف وهو يسعى لتعظيم مكاسبه لا لتقديم تنازلات.
كما لعب عامل الزمن دورًا محورياً، إذ تحولت الهدنة إلى مساحة لفرض وقائع جديدة على الأرض، بدلاًمن كونها فرصة لتخفيف التوتر.
يضاف إلى ذلك تعدد مسارات الأزمة، التي لم تعد محصورة في بعد سياسي واحد، بل امتدت إلى أبعاد عسكرية وأمنية واقتصادية، ما جعل أي حل تفاوضي جزئي غير كافٍ لمعالجة جذور الصراع.
ومع هذا الفشل، لم تتغير السيناريوهات بقدر ما تغير وزنها واحتمالات تحققها. فالتصعيد المنضبط لا يزال قائماً، حيث تستمر الضربات المحدودة ورسائل الردع المتبادلة دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
وفي المقابل، يظل احتمال الانفجار المرحلي حاضراً، كخيار يلجأ إليه لإعادة رسم قواعد الاشتباك إذا ما اختل ميزان الردع. إلا أن السيناريو الأكثر ترجيحاًالآن هو الاستنزاف الطويل، حيث يستمر التوتر دون حسم، وتبقى المنطقة عالقة في حالة من اللايقين، تتخللها جولات تفاوض غير مباشرة لا تفضي إلى نتائج حاسمة.
وفي قلب هذه التحولات، يبرز عامل بالغ الخطورة يعيد رسم قواعد اللعبة بالكامل، وهو ملف السيطرة على الممرات والموانع المائية الإيرانية، وعلى رأسها مضيق هرمز.
لم يعد هذا الملف مجرد ورقة ضغط تقليدية، بل أصبح أحد أخطر مفاتيح التصعيد المحتمل، نظراً لما يمثله من شريان حيوي لحركة الطاقة والتجارة العالمية.
إن أي محاولة لفرض سيطرة مباشرة أو غير مباشرة على هذا الممر الاستراتيجي، سواء عبر حضور عسكري مكثف أو ترتيبات أمنية قسرية، تحمل في طياتها تحولاً نوعياً في مسار الأزمة.
فهنا لا يتعلق الأمر فقط بصراع إقليمي، بل بتهديد مباشر لتوازنات الاقتصاد العالمي، ما يفتح الباب أمام تدويل أوسع للأزمة، وربما تدخلات متعددة الأطراف تحت عناوين حماية الملاحة الدولية.
وفي المقابل، تدرك إيران أن ورقة المضيق تمثل أحد أهم عناصر قوتها الاستراتيجية، ما يجعلها أكثر حساسية تجاه أي تحركات تستهدف تقليص نفوذها عليه، وهو ما قد يدفع نحو ردود فعل تتجاوز الإطار التقليدي، لتشمل أدوات غير متماثلة، أو تصعيداًمحسوباً يهدف إلى إعادة تثبيت قواعد الردع.
هنا تحديداً، يصبح التصعيد أكثر تعقيداً، لأن اللعب لم يعد فقط على الأرض أو عبر القنوات الدبلوماسية، بل انتقل إلى عقدة جيوسياسية تمس مصالح قوى كبرى بشكل مباشر.
وبالتالي، فإن أي خطأ في الحسابات داخل هذا الملف قد لا يؤدي فقط إلى انفجار إقليمي، بل إلى أزمة دولية ممتدة.
هذا التطور يفرض إعادة قراءة السؤال الذي طُرح سابقاً حول طبيعة المرحلة: هل نحن أمام بداية تهدئة حقيقية، أم مجرد فاصلة قصيرة في صراع ممتد؟.
الإجابة اليوم تبدو أكثر وضوحًا، وإن كانت أكثر قسوة: لم نعد في مرحلة البحث عن تهدئة، بل دخلنا مرحلة إدارة فشلها.
فالتهدئة لم تعد هدفاً قائماً بذاته، بل أصبحت أداة تكتيكية داخل صراع أوسع، تستخدم عند الحاجة وتستبعد حين تتغير موازين القوى، وهو ما يعكس حقيقة أن الإرادة السياسية لم تنضج بعد للوصول إلى تسوية شاملة، وأن كلفة التنازل لا تزال أعلى من كلفة الاستمرار في الصراع، على الأقل في حسابات الأطراف المعنية.
وختاماً: ما بعد فشل المفاوضات لا يعني نهاية الدبلوماسية، لكنه يعني تراجع قدرتها على فرض الحلول، فالمنطقة اليوم تقف عند نقطة دقيقة.
لا أحد يريد الحرب الشاملة، ولا أحد مستعد لتقديم تنازلات حقيقية، وبين هذا وذاك، يتشكل واقع جديد عنوانه: «صراع مدار.. لكن بلا أفق واضح للنهاية».
وهنا تحديداً، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل سيظل العقل السياسي قادرًا على ضبط الإيقاع أم أن منطق القوة هو من سيكتب الفصل القادم؟
اقرأ أيضاًسيناريوهات الحرب الأمريكية الإيرانية تطغى على التوقعات الاقتصادية لصندوق النقد الدولي
مفاوضات مرتقبة.. مسؤول باكستاني: جولة بين أمريكا وإيران قد تنعقد خلال أيام
