حين يصبح الألم صامتاً.. هل تدفعنا الضغوط الحياتية إلى إيذاء أنفسنا؟ – الأسبوع

حين يصبح الألم صامتاً.. هل تدفعنا الضغوط الحياتية إلى إيذاء أنفسنا؟ – الأسبوع

لم تعد الضغوط الحياتية مجرد تفاصيل يومية عابرة يمكن تجاوزها ببعض الصبر أو الوقت، بل تحولت إلى واقع ثقيل يضغط على الإنسان من كل اتجاه، حتى بات كثيرون يعيشون معاناة صامتة لا يراها أحد.

ومع تكرار حوادث الانتحار التي تتصدر المشهد العام، لم يعد ممكناً أن نكتفي بالتعاطف السريع أو الأحكام الجاهزة، بل أصبح من الضروري أن نطرح السؤال بصدق وجرأة: كيف يصل إنسان إلى لحظة يقرر فيها إيذاء نفسه؟.

المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في الفعل ذاته، بل في الطريقة التي نتعامل بها معه، فغالبًا ما نسارع إلى إصدار الأحكام، فنختزل المأساة في عبارات مثل ضعف إيمان أو عدم قدرة على التحمل، وكأننا بذلك أغلقنا الملف وفهمنا القصة.

لكن الحقيقة الأكثر عمقًا وإيلامًا هي أن الإنسان لا يصل إلى هذه المرحلة فجأة، ولا يفعل ذلك لأنه يريد الموت بقدر ما يكون قد فقد القدرة على احتمال الألم، أو فقد الأمل في وجود مخرج.

الضغوط في حد ذاتها ليست جديدة على الإنسان، لكن ما تغير هوشعوره بالعزلة داخل هذه الضغوط. إنسان يحاول ولا يجد فرصة، أو يتحمل مسؤوليات تفوق طاقته، أو يعيش تحت ضغط المقارنة المستمرة مع صور مثالية يراها كل يوم، فيشعر تدريجيًا أن ما يقدمه لا يكفي، وأنه أقل مما يجب أن يكون.

ومع تراكم هذا الإحساس، لا تصبح المشكلة في الأزمة نفسها، بل في الشعور المستمر بالعجز والفشل، وهو ما يمهد الطريق للانهيار الداخلي.

وفي خضم هذا كله، يبرز دور الدين، الذي يساء فهمه أحيانًا في مثل هذه القضايا، فالأديان لم تتناول مسألة إيذاء النفس بمنطق الإدانة المجردة، بل بمنطق الحماية والرحمة.

في الإسلام، جاء النهي عن إيذاء النفس مقترنًا برحمة الله بالإنسان، تأكيدًا على أن هذه النفس أمانة لا ينبغي التفريط فيها، وأن الإنسان في ضعفه محاط بعناية إلهية.

وفي المسيحية، تعد الحياة عطية مقدسة، وينظر إلى الألم كجزء من التجربة الإنسانية، لا كنهاية لها.

الرسالة في الحالتين واحدة: حياة الإنسان لها قيمة مطلقة، لا تسقط تحت وطأة الألم، لكن الخطأ الأكبر هو أن نضع المسؤولية كلها على عاتق الفرد، وكأن المجتمع من حوله بريء.

فالواقع يشير إلى منظومة كاملة قد تساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في دفع الإنسان نحو حافة الخطر.

حين تغيب خدمات الدعم النفسي، وتتحول الأسرة إلى مساحة للحكم بدل الاحتواء، وتغفل المؤسسات التعليمية عن بناء الإنسان نفسيًا، ويصبح المجتمع أكثر ميلًا للسخرية والتنمر من الفهم والدعم، فإننا نكون أمام بيئة تضغط على الفرد باستمرار، ثم تتبرأ منه عندما يسقط.

ومع ذلك، يبقى من الضروري التأكيد على أن إيذاء النفس، مهما بلغت قسوة الظروف، ليس حلًا ولا مخرجًا حقيقيًا. إنه لحظة اختلال مؤلمة، يفقد فيها الإنسان توازنه وقدرته على رؤية الصورة كاملة، ويكون في أمس الحاجة إلى من يمد له يد العون، لا من يضيف إلى ألمه حكمًا جديدًا.

فالكلمات في هذه اللحظات قد تصنع فارقًا حقيقيًا، وقد تكون سبباً في إنقاذ حياة.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تبدأ فقط من الفرد، بل من وعي جماعي يعيد النظر في طريقة تعاملنا مع الألم الإنساني.

أن نتعلم الاستماع قبل الحكم، وأن ندرك أن خلف كل صمت قصة، وأن نمنح من حولنا مساحة آمنة للتعبير عن ضعفهم دون خوف أو سخرية، فليس كل من يبدو بخير هو كذلك، وليس كل من ينهار ضعيفاً، بل قد يكون فقط قد وصل إلى الحد الذي لم يعد يحتمل بعده.

في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الحياة، رغم قسوتها، تظل دائمًا تستحق أن تعاش، وأن أصعب اللحظات، مهما طالت، ليست نهاية الطريق.

وبين الألم والأمل، قد تكون كلمة صادقة، أو موقف داعم، أو يد تمتد في الوقت المناسب، كفيلة بأن تعيد إنسانًا من حافة الانهيار إلى مساحة الحياة من جديد.

ليس كل من أنهى حياته كان يريد الموت، بعضهم فقط لم يجد سببًا كافيًا ليكمل، وهنا يأتي دورنا جميعًا.. أن نكون هذا السبب، أن نخفف، لا نثقل.. أن نسمع، لا نحكم.. أن نحتوي، لا نقصي، لأن إنقاذ إنسان لا يحتاج معجزة، أحيانًا يحتاج فقط.. إنسانًا آخر.

اقرأ أيضاً«خلوا بالكم من ولادي».. تفاصيل جديدة في واقعة سيدة الإسكندرية التي ألقت نفسها من الدور الـ 13

عاجل| النيابة العامة تحظر النشر في 4 وقائع بينها انتحار سيدة الإسكندرية

Exit mobile version