حين تُصنع الأزمة.. ويُباع لك الحل – الأسبوع

حين تُصنع الأزمة.. ويُباع لك الحل – الأسبوع

د. طارق هلال

لم يعد الشرق الأوسط مجرد منطقة مضطربة، بل أصبح نموذجاً متكرراً لمعادلة معقدة. أزمات تتفجر، وصراعات تمتد، ثم حلول تطرح، ولكنها في كثير من الأحيان لا تنهي الأزمة، بل تعيد تدويرها بشكل جديد.

وحين ننظر إلى التاريخ، نجد أن القوى الغربية لم تكتفِ بالسيطرة العسكرية المباشرة، بل طورت أدوات أكثر تعقيداً: النفوذ السياسي عبر دعم أنظمة أو إسقاط أخرى، والهيمنة الاقتصادية عبر التحكم في الموارد والأسواق، والحروب غير المباشرة التي تدار بأيدٍ محلية، وإشعال الانقسامات الطائفية والعرقية، وتصدير الفوضى تحت مسميات براقة كالديمقراطية أو حقوق الإنسان.

وعلى سبيل المثال جاءت موجات ما سمي بـ”الربيع العربي”، التي حملت آمالاً مشروعة للشعوب، لكنها في كثير من الحالات تحولت إلى بوابات للفوضى، وانهيار مؤسسات، وصراعات داخلية طويلة الأمد.وفي قلب هذا المشهد، تظهر نتيجة لا يمكن تجاهلها: دول منهكة، مجتمعات منقسمة، موارد تستنزف، وعقول تهاجر.

ثم جاءت جائحة كورونا، التي لم تكن مجرد أزمة صحية، بل تحولت إلى اختبار عالمي لإدارة الأزمات، أعادت ترتيب أولويات الدول، وأثرت بعمق على الاقتصاد والسياسة، وفتحت الباب أمام أشكال جديدة من السيطرة والتأثير.

ومع تصاعد الحديث عن التغيرات المناخية، يطرح البعض تساؤلات حول كيفية توظيف هذا الملف عالمياً: كأداة ضغط أو إعادة تشكيل لموازين القوى الاقتصادية؟ هذا أيضاَ احتمال لا يمكن تجاهله في عالم تحكمه المصالح. وما نعيشه الآن ليس بداية جديدة، بل فصل آخر من نفس الرواية، رواية تعاد كتابتها كل مرة، لكن بنفس الحبكة، لمسار طويل من إدارة الأزمات، لا إنهائها.

ففي كثير من المشاهد، يظهر نفس الطرف الذي ساهم في إشعال الأزمة، كوسيط أو منقذ أو صاحب مبادرة للحل. يضع الإطار، يحدد المسارات، ويصوغ النهايات. بما يضمن بقاء التوازن مختلاً، لا مستقراً.

وهنا تتضح الفكرة: ليست المسألة مجرد تدخل، بل إدارة كاملة لدورة الصراع: إشعال ثم تصعيد ثم إنهاك ثم تدخل ثم تسوية مؤقتة ثم إعادة الاشتعال. وعلى جانب آخر، يبدو أن هناك ثوابت لا تتغير في هذه الاستراتيجية، أبرزها: منع تشكل قوة عربية موحدة.

فأي مشروع حقيقي لوحدة الصف العربي، أو حتى تنسيق استراتيجي جاد، يقابل دائماَ بعوائق مباشرة أو غير مباشرة، أما إثارة الخلافات السياسية، أو تغذية النزاعات الحدودية، أو تضخيم الفوارق الاقتصادية، أو خلق محاور متضادة داخل الإقليم، لأن ببساطة، وجود قوة عربية متماسكة، بمواردها وموقعها وثقلها السكاني، لا يمثل فقط توازناً إقليمياً بل قد يتحول إلى قطب دولي منافس. وهذا تحديداً ما لا يتماشى مع فكرة “القطب الأوحد” التي سادت لعقود، والتي تسعى للحفاظ على عالم تدار موازينه من مركز واحد.

وفي المقابل، تبرز أطراف تستفيد من هذا الواقع المضطرب، وعلى رأسها إسرائيل، التي تجد في تفكك الإقليم فرصة لتعزيز موقعها، وتثبيت حضورها، والتحول من عنصر صراع إلى لاعب إقليمي مفروض.

ولكن، ورغم كل ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في “مؤامرة مطلقة”. فالتاريخ لا يكتب فقط بإرادة الخارج، بل أيضاً بواقع الداخل. فالحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، لا يمكن فرض الفوضى على منطقة تمتلك وعياً حقيقياً وتمـــــاسكاً داخلياً. ولا يمكن تفتيت كيان قوي إلا إذا وجــدت فيه شقوق تسمح بذلك. إذاً نحن أمام معادلة مزدوجة تخطيط خارجي يستغل الفرص، وواقع داخلي أحياناً يسهل الاختراق. أما المستقبل، فهو لا يزال مفتوحاً. العالم يتجه نحو تعددية الأقطاب، والتوازنات تتغير، والفرص تعاد صياغتها.

لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا يريد الغرب؟ بل: ماذا نريد نحن؟ هل نظل في دائرة الفعل ورد الفعل؟ أم نمتلك القدرة على كسر النمط، وبناء مسار مستقل؟

وفى النهاية: حين تصنع الأزمة وتباع لك حلولها، عليك أن تدرك أنك لست طرفاً في المعادلة بل جزءاً منها، والتحرر الحقيقي لا يبدأ برفض الهيمنة فقط، بل يبدأ ببناء القوة ووحدة الإرادة.

القوة الناعمة العربية بين الجذب والهيمنة.. لماذا نملك ولا نؤثر؟

تخريب ممنهج للاقتصاد المصري وضرب منظومة التكافل الاجتماعي

Exit mobile version