لم يعد مضيق هرمز مجرد ممرٍ مائي تعبره ناقلات النفط، بل تحوّل إلى نقطة اختبار حقيقية لهيبة القوى الكبرى وحدود نفوذها، ومع إعلان دونالد ترامب عن ما أسماه بـ «مشروع الحرية»، تحت ذريعة تحرير حركة الملاحة لما يقارب 900 سفينة عالقة في الخليج، بدا المشهد وكأنه إعادة إنتاج لخطاب القوة التقليدي، لكن في بيئة جيوسياسية لم تعد تقبل هذا النوع من الاستعراضات دون كلفة باهظة.
الرد الإيراني لم يتأخر، بل جاء عمليًا ومباشرًا، استهداف سفينة عسكرية أمريكية حاولت الاقتراب من المضيق، وإجبارها على التراجع، لم يكن مجرد حادث تكتيكي، بل رسالة استراتيجية تقول إن قواعد الاشتباك قد تغيرت، طهران لم تعد تكتفي بالتحذيرات السياسية، بل انتقلت إلى تثبيت معادلة ردع ميدانية عنوانها: «السيادة أولًا، والمواجهة إن لزم الأمر».
تصريحات المسؤولين الإيرانيين جاءت واضحة: أي تدخل أمريكي في تنظيم حركة الملاحة داخل المضيق يُعد انتهاكًا مباشرًا لاتفاق وقف إطلاق النار، وسيُقابل برد قوي، هذا الموقف عززته المؤسسة العسكرية الإيرانية، التي أعلنت صراحة أن أي قوة أجنبية تقترب من هرمز ستكون هدفًا مشروعًا.
لكن السؤال الأهم: هل تدرك واشنطن طبيعة التحول في ميزان القوة داخل هذا الممر الحيوي؟
الواقع يشير إلى أن إيران لا تعتمد فقط على الصواريخ كأداة ردع، بل على منظومة متكاملة من الحرب غير المتكافئة، تشمل الزوارق السريعة، الألغام البحرية، والطائرات المسيرة، هذه الأدوات، رغم بساطتها النسبية مقارنة بالترسانة الأمريكية، قادرة على تحويل مضيق هرمز إلى منطقة استنزاف مفتوحة، لا يمكن السيطرة عليها بسهولة.
وهنا تكمن المفارقة: القوة الأمريكية، التي اعتادت فرض سيطرتها في البحار المفتوحة، تجد نفسها أمام بيئة جغرافية مغلقة ومعقدة، حيث التفوق التكنولوجي لا يضمن الحسم، بل قد يتحول إلى عبء في مواجهة تكتيكات مرنة وغير تقليدية.
«مشروع الحرية» في هذا السياق يبدو أقرب إلى مغامرة سياسية منه إلى خطة استراتيجية مدروسة. فهو يتجاهل حقيقة أن أي تصعيد في هرمز لن يظل محصورًا في الإطار العسكري، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي، حيث تمر نحو ثلث إمدادات النفط عبر هذا المضيق. أي اضطراب فيه يعني ارتفاعًا حادًا في أسعار الطاقة، وربما أزمة اقتصادية عالمية جديدة.
الأخطر من ذلك، أن واشنطن قد تجد نفسها مضطرة للبحث عن مخرج عبر قوى دولية أخرى، وفي مقدمتها الصين، التي تمتلك مصالح استراتيجية عميقة في استقرار تدفق الطاقة. وهنا يتحول الصراع من مواجهة أمريكية-إيرانية إلى اختبار لتوازنات دولية أوسع، قد تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة.
أزمة القرار داخل واشنطن والورقة الصينية
في خضم هذا التصعيد، تبرز تساؤلات داخلية أمريكية لا تقل خطورة عن التحديات الخارجية، الحديث عن إمكانية تحرك سياسي بقيادة شخصيات مثل مايك بنس لطرح مسألة الأهلية العقلية للرئيس، أو الدفع نحو آليات دستورية لسحب الثقة، يظل طُرح إعلاميًا – رهين تعقيدات النظام السياسي الأمريكي. فإجراءات العزل أو تفعيل التعديل الخامس والعشرين ليست مجرد قرار سياسي، بل عملية شديدة التعقيد تتطلب توافقًا نادرًا داخل الكونجرس والإدارة معًا.
وبالتالي، فإن احتمالات نجاح مثل هذه الخطوة تبقى ضعيفة في المدى القريب، خاصة في ظل الاستقطاب الحاد داخل واشنطن، لكنها، في الوقت نفسه، تعكس حجم الارتباك داخل دوائر صنع القرار الأمريكي، وتكشف أن الأزمة لم تعد خارجية فقط، بل باتت تمتد إلى بنية القيادة نفسها.
أما على المستوى الدولي، فتبرز «الورقة الأخيرة» في المشهد: بكين، الحديث عن زيارة مرتقبة لـ دونالد ترامب إلى الصين، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية إيرانية رفيعة المستوى هناك، يشير إلى احتمال دخول بكين على خط الوساطة.
الصين، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، لا يمكنها تحمل انفجار شامل في مضيق هرمز، ومن هنا، قد تلعب دور «الوسيط البارد» القادر على تهدئة التصعيد، ليس بدافع إنساني أو سياسي، بل لحماية مصالحها الاقتصادية الحيوية.
في هذا السياق، قد تتحول زيارة ترامب إلى بكين من محاولة لاستعراض القوة إلى رحلة بحث عن مخرج، خاصة إذا ترافقت مع مؤشرات ميدانية مثل تراجع أو إعادة تموضع ما يُعرف بـ «أسطول الحرية» بعد فشل تحقيق أهداف الردع.
هنا تتضح الصورة أكثر: واشنطن التي دخلت المواجهة بشعار فرض الإرادة، قد تجد نفسها مضطرة للجلوس إلى طاولة التفاهم عبر بوابة بكين، وإيران، التي صمدت في الميدان، تدرك أن زمن الضغوط الأحادية قد انتهى.
في النهاية، لا يبدو أن مضيق هرمز سيكون مجرد ساحة مواجهة عسكرية، بل منصة لإعادة تشكيل موازين القوى الدولية، بين تخبط القرار في واشنطن، وصلابة الرد الإيراني، وبراجماتية الدور الصيني، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها: نهاية الهيمنة المنفردة، وبداية التعدد القطبي.
اقرأ أيضاًإيران: تقارير الاتفاق مع واشنطن تهدف لتبرير تراجع ترامب.. وطهران تدرس عرضا «غير مقبول»
واشنطن وطهران تقتربان من توقيع مذكرة من «صفحة واحدة» لإنهاء الحرب
النفط ينخفض عالميا في تعاملات اليوم.. وبرنت أدنى 104 دولارات
