في كل عام، ومع حلول هذه الأيام المباركة، تتحول منطقة دير السيدة العذراء بجبل الطير إلى قبلة روحية وإنسانية عظيمة، حيث تتوافد مئات الآلاف من الزائرين من مختلف محافظات مصر، بل ومن خارجها أحيانًا، للمشاركة في احتفالات السيدة العذراء، تلك الاحتفالات التاريخية التي تُقام تخليدًا لذكرى مرور العائلة المقدسة بهذا المكان المبارك أثناء رحلتها إلى أرض مصر هربًا من بطش الرومان.
ومن المقرر أن تبدأ الاحتفالات هذا العام اعتبارًا من يوم الخميس 14 مايو، وسط استعدادات مكثفة من إيباراشية سمالوط والأجهزة التنفيذية والأمنية بمحافظة المنيا لاستقبال الأعداد الكبيرة من الزائرين والمترددين على الدير طوال أيام الاحتفال.
وتُقام هذه الاحتفالات السنوية تحت رعاية صاحب النيافة الحبر الجليل الأنبا بفنوتيوس مطران إيباراشية سمالوط، الذي نجح خلال سنوات خدمته في تحويل المنطقة إلى واحدة من أهم المحطات الروحية والسياحية على مسار رحلة العائلة المقدسة في مصر.
ولم تعد الاحتفالات مجرد مناسبة دينية فقط، بل أصبحت تراثًا شعبيًا وإنسانيًا متجذرًا في وجدان المصريين، حيث اعتادت الأسر والعائلات والأقارب والأصدقاء أن يجتمعوا لأيام داخل هذا المكان المبارك، في مشهد تختلط فيه الروحانيات بالعلاقات الاجتماعية والإنسانية، فتقام القداسات والعظات والتسابيح والترانيم، وتمتلئ الأجواء بالمحبة والسلام، وكأن المكان يعيد صياغة الروح المصرية في أبهى صورها.
ويُعد دير السيدة العذراء بجبل الطير واحدًا من أهم محطات رحلة العائلة المقدسة في مصر، حيث مكثت العائلة المقدسة داخل مغارة بالجبل لمدة ثلاثة أيام. وقد شُيدت الكنيسة الأثرية بالدير على يد الملكة القديسة هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين، عام 328 ميلادية، فوق ربوة صخرية مطلة على نهر النيل، لتصبح واحدة من أقدم الكنائس الأثرية في مصر.
ويحمل المكان أكثر من اسم تاريخي، فقد أُطلق عليه “جبل الطير” بسبب أسراب الطيور التي كانت تتجمع فوقه أثناء هجرتها، كما يُعرف أيضًا باسم “جبل الكف”، نسبة إلى المعجزة الشهيرة التي تروي أن صخرة ضخمة كانت على وشك السقوط فوق العائلة المقدسة، فمد السيد المسيح كفه الصغير نحوها فتوقفت، وانطبعت علامة الكف على الصخرة، لتظل شاهدًا على تلك اللحظة المباركة عبر القرون.
وتتميز الكنيسة الأثرية بطرازها البازيليكي الفريد، وبما تحتويه من نقوش وأيقونات ومعمودية أثرية ومغارة العائلة المقدسة، فضلًا عن موقعها الساحر المطل على النيل والخضرة الممتدة أسفل الجبل، في مشهد يأسر القلوب قبل العيون.
وخلال السنوات الماضية، بذل الأنبا بفنوتيوس جهدًا استثنائيًا في تطوير المنطقة بالكامل، سواء من حيث البنية التحتية أو الخدمات أو التوسعات التنظيمية، بما يليق بمكانة الدير التاريخية والروحية، وبما يسمح باستيعاب الأعداد الضخمة من الزائرين التي تُقدَّر أحيانًا بما يقارب المليوني زائر خلال فترة الاحتفالات.
ومن أعظم الإنجازات التي شهدتها المنطقة إنشاء “فندق العائلة المقدسة”، ذلك المشروع السياحي الحضاري الفريد الذي يُعد من أبرز المشروعات السياحية على مسار العائلة المقدسة في مصر.
وقد أُقيم الفندق في موقع استثنائي فوق سفح الجبل، بجوار الكنيسة الأثرية ومغارة العائلة المقدسة، ليمنح الزائر تجربة روحانية وسياحية نادرة، حيث يمتزج جمال الطبيعة بروحانية المكان وعظمة التاريخ.
كما شهد الدير في عهده إضافات وتوسعات كبيرة شملت إنشاء كنائس جديدة ومبانٍ خدمية وتنظيم ساحات الاستقبال والإقامة والخدمات، بما يعكس رؤية حضارية وإنسانية واسعة، جعلت من الدير نموذجًا مضيئًا للتطوير الكنسي والسياحي معًا.
ولا تقتصر الزيارة الروحية للوافدين على دير السيدة العذراء فقط، بل تمتد إلى معالم روحية عظيمة أخرى داخل إيباراشية سمالوط، منها كنيسة أبسخيرون القليني بقرية البيهو، تلك الكنيسة التاريخية التي نُقلت من مدينة قلين في القرن السادس عشر، ويتوافد عليها الزائرون طوال العام طلبًا للبركة والصلاة.
وعلى مقربة من سمالوط تقع أيضًا كاتدرائية شهداء الوطن والإيمان بقرية العور، التي أصبحت رمزًا خالدًا للصمود والإيمان الوطني، وتحولت إلى مزار روحي وإنساني كبير يقصده الزائرون من داخل مصر وخارجها.
وفي كل ذلك، تبذل أجهزة الدولة المصرية، التنفيذية والأمنية، جهودًا هائلة لإنجاح هذه الاحتفالات وتنظيم حركة الزائرين وتأمينهم، في صورة وطنية راقية تعكس روح التكاتف بين الدولة والكنيسة والشعب، وتجسد المعنى الحقيقي للهوية المصرية المتفردة، تلك الهوية التي صنعت عبر التاريخ نموذجًا فريدًا للتعايش والمحبة والإيمان.
إن احتفالات دير السيدة العذراء بجبل الطير ليست مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هي صفحة مضيئة من صفحات التاريخ المصري، ومشهد حي يؤكد أن مصر ستظل دائمًا أرض البركة والسلام، وحاضنة الحضارات والروحانيات عبر العصور.
اقرأ أيضاًاستقبال وفد «إحياء مسار العائلة المقدسة» بأسيوط لتعزيز ثقافة السلام والتعايش بين الشباب
بمشاركة 40 فناناً من دول العالم.. ختام فعاليات ملتقى جبل الطير الدولي للفنون بالمنيا
