مقالات

المشهد الأخير للصراع الأمريكي الإيراني هل اقترب العالم من نهاية الحرب … أم من بداية نظام دولي جديد؟


د. طارق هلال

لم يعد الصراع الأمريكي الإيراني مجرد مواجهة عسكرية تقليدية أو أزمة مرتبطة بالملف النووي فقط، بل تحول إلى معركة إعادة تشكيل النفوذ الدولي والإقليمي، حيث اختلطت السياسة بالطاقة، والاستخبارات بالاقتصاد، والجغرافيا بالممرات البحرية، حتى أصبح الشرق الأوسط نقطة ارتكاز لصراع عالمي أوسع يتجاوز حدود المنطقة نفسها.

فعندما بدأت الضربة العسكرية الأولى الواسعة يوم 28 فبراير 2026، بدا العالم وكأنه يتجه نحو انفجار شامل. التصعيد العسكري، تحركات الأساطيل، التهديد بإغلاق مضيق هرمز، اضطراب أسواق الطاقة، عودة الاشتباكات الروسية الأوكرانية، والتقارير عن تعاون استخباراتي صيني روسي قرب العمق الأمريكي عبر كوبا، كلها كانت مؤشرات على أن العالم دخل أخطر مرحلة منذ سنوات.

لكن المشهد تغير تدريجياً. فبعد نحو 84 يوماً من التصعيد، بدأت كل الأطراف تدرك أنها اقتربت من حافة الهاوية، وأن استمرار الحرب المفتوحة قد يتحول إلى كارثة عالمية تتجاوز قدرة الجميع على الاحتمال. وهنا ظهرت الحقيقة الأهم: لا أحد كان يريد الانتصار الكامل، لأن تكلفة الانتصار أصبحت أخطر من الهزيمة نفسها.

الولايات المتحدة حققت بالفعل جزءاً من أهدافها غير المعلنة، وأهمها إنهاك الاقتصاد الإيراني، واستنزاف جزء من قدرات الحرس الثوري، وإعادة فرض الضغوط على طهران لإجبارها على العودة إلى طاولة التفاوض. كما نجحت واشنطن فى إعادة تثبيت حضورها الأمني بالخليج وربط أمن الطاقة العالمي بالمظلة الأمريكية.

أما الأهداف المعلنة، فكانت منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتأمين الملاحة الدولية، وتقليص النفوذ العسكري الإيراني فى المنطقة. لكن هذه الأهداف لم تتحقق بالكامل، لأن إيران ما زالت تمتلك قدرات صاروخية مؤثرة، وما زالت تحتفظ بأوراق نفوذ إقليمية تمنع إسقاطها أو عزلها نهائياً.

وفى المقابل، نجحت إيران فى إثبات أنها قادرة على تهديد الاقتصاد العالمي عبر هرمز، وأنها ما زالت تملك أدوات ردع مؤثرة، لكنها أدركت أيضاً أن استمرار التصعيد قد يهدد الداخل الإيراني نفسه، فى ظل العقوبات والأزمة الاقتصادية والغضب الشعبي المتزايد.ولهذا بدأ التحول من “الحرب المفتوحة” إلى “التفاوض تحت النار”.

الحرس الثوري الإيراني، الذى تعرض لضغوط وضربات متتالية، لم يختفِ من المشهد، بل عاد باعتباره الضامن الحقيقي للقرار الإيراني. وظهر ذلك بوضوح فى تحركاته ولقاءاته مع قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، فى رسالة تعكس أن طهران تبحث عن ضمانات إقليمية تمنع الحرب الشاملة، خاصة مع إدراك باكستان أن أى انفجار واسع سيهدد المنطقة بأكملها.

أما ملف الأموال الإيرانية المجمدة، فقد تحول إلى أحد أهم مفاتيح التسوية. فإيران تعتبر الإفراج عنها جزءاً من أى اتفاق، بينما تستخدمها واشنطن كورقة ضغط سياسية واقتصادية. ولذلك ظهرت فكرة الإفراج التدريجي المشروط مقابل التزامات إيرانية تتعلق بالملف النووي والملاحة والأمن الإقليمي.

وهنا بدأت تتشكل ملامح الاتفاق الجديد.فالعالم لم يعد يتحدث فقط عن “اتفاق نووي”، بل عن صفقة إقليمية شاملة تتضمن: ضبط البرنامج النووي الإيراني، قيوداً على الصواريخ بعيدة المدى، تأمين الملاحة فى الخليج، منع تهديد هرمز، تقليص التصعيد فى العراق ولبنان وسوريا، وإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي والدولي.

فتح مضيق هرمز لم يكن مجرد خطوة بحرية، بل إعلاناً سياسياً بأن الجميع يريد وقف النزيف الاقتصادي. فالمضيق الذى تسبب اضطرابه فى خسائر قدرت بنحو 25 مليار دولار خلال فترة قصيرة، كان قادراً على دفع الاقتصاد العالمي إلى خسائر بمئات المليارات إذا استمر الإغلاق الكامل لشهر واحد فقط. ولذلك أصبح تأمين الملاحة بنداً أساسياً فى أى اتفاق قادم.

وفى خضم هذه الأزمة، برز الدور العربي بصورة مختلفة عن السنوات السابقة. فالدول العربية، خاصة الخليجية، أدركت أن الحرب الشاملة ستدمر الاقتصاد والطاقة والاستقرار الإقليمي، ولهذا تحركت باتجاه “منع الانفجار” بدل الانخراط فى الحرب.

وكان الدور المصري من أبرز التحركات الهادئة والمؤثرة. فالقاهرة تعاملت مع الأزمة باعتبارها تهديداً مباشراً لأمن المنطقة والطاقة العالمية وقناة السويس، ولذلك تحركت دبلوماسياً لمنع توسع الحرب، مع الحفاظ على توازن دقيق بين مختلف الأطراف.

وجاءت اتصالات دونالد ترامب بالقادة العرب، وعلى رأسهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، لتكشف حجم التحرك الإقليمي خلف الكواليس. فقد ساهمت هذه الاتصالات فى تثبيت مسار التهدئة ومنع ضربة أمريكية جديدة كانت مطروحة بقوة، كما أظهرت وجود شبه توافق عربي على: إعادة فتح هرمز سريعاً، منع توسع الحرب إلى الخليج ولبنان والعراق، الوصول إلى اتفاق مرحلي مع إيران، وربط تخفيف العقوبات بضمانات أمنية واضحة. وخلال تلك الاتصالات، شددت مصر على ضرورة الوصول إلى تسوية شاملة تمنع العودة إلى دائرة التصعيد، وهو ما عزز من فرص المسار

الدبلوماسي الحالي.

كما كشفت الأزمة أن واشنطن لم تعد قادرة على إدارة المشهد منفردة، بل أصبحت بحاجة إلى غطاء عربي وإقليمي لإنجاح أى تسوية، خاصة مع دخول الصين وباكستان على خط التوازنات الجديدة. فالصين كانت من أكبر المستفيدين من الأزمة. فبكين ظهرت كقوة قادرة على لعب دور الضامن الاقتصادي والسياسي بعيداً عن المواجهة العسكرية المباشرة، كما عززت الأزمة اعتماد كثير من الدول على الشراكات الصينية فى مجالات الطاقة والتجارة.

أما روسيا، فقد استغلت انشغال واشنطن بالشرق الأوسط لإعادة الضغط فى أوكرانيا. وعودة الاشتباكات الروسية الأوكرانية فى هذا التوقيت لم تكن صدفة، بل محاولة روسية لتحسين شروطها الدولية واستغلال تراجع التركيز الأمريكي الكامل على كييف. فموسكو تدرك أن الغرب يعيش حالة إنهاك اقتصادي وعسكري بعد سنوات من دعم أوكرانيا، كما تعلم أن الداخل الأمريكي أصبح أكثر ضغطاً على الإدارة الأمريكية لتقليل الإنفاق العسكري الخارجي. ولذلك حاولت روسيا فرض واقع ميداني جديد قبل أى تسويات عالمية كبرى.

وفى الوقت نفسه، عاد الحديث بقوة عن التعاون الاستخباراتي الصيني الروسي قرب الولايات المتحدة عبر كوبا. فالتقارير الغربية تحدثت عن منشآت وتجهيزات إلكترونية داخل كوبا تستخدم فى مراقبة الاتصالات والتحركات الأمريكية. ورغم عدم وجود معلومات مؤكدة عن “اختراق شامل” للاستخبارات الأمريكية، فإن المؤكد أن الصين وروسيا تعملان على توسيع قدراتهما فى: الحرب السيبرانية، جمع البيانات، مراقبة الاتصالات العسكرية، اختراق البنية الرقمية الحساسة، والسيطرة على شبكات المعلومات العالمية.

وهنا تظهر أخطر حقيقة كشفتها الأزمة: العالم دخل مرحلة “حروب المعلومات” وليس فقط حروب الجيوش. فالصراع اليوم لم يعد على الأرض وحدها، بل على: البيانات، الطاقة، الذكاء الاصطناعي، الكابلات البحرية، الأقمار الصناعية، والممرات التجارية.

حتى إسرائيل، التى حققت بعض المكاسب الأمنية بإضعاف جزء من البنية العسكرية الإيرانية، لم تحقق الحسم الكامل، بل دخلت هى الأخرى فى حالة استنزاف أمني واقتصادي، مع استمرار

التوترات الإقليمية.

أما الداخل فى أطراف الصراع، فأصبح عامل ضغط حقيقي على الجميع. فترامب يواجه ضغوطاً سياسية وأمنية وانتخابية، خاصة بعد الحديث عن محاولات استهداف مرتبطة بفصائل عراقية موالية لإيران، بينما تعاني طهران من أزمة اقتصادية وغضب شعبي متزايد، وتواجه إسرائيل انقساماً داخلياً وضغطاً أمنياً مستمراً.

القضية الفلسطينية دفعت كذلك ثمناً باهظاً وسط هذه الصراعات، بعدما تحولت غزة ولبنان إلى ساحات ضغط متبادلة، بينما يقف لبنان على حافة إعادة تشكيل كاملة لمشهده الأمني والسياسي. أما الاتحاد الأوروبي، فقد حاول لعب دور دبلوماسي لمنع الانفجار، لكنه بدا أقل تأثيراً من الولايات المتحدة والصين، مع تركيزه الأكبر على منع انهيار الطاقة وارتفاع الأسعار والفوضى والهجرة.

وختاما: وفى تقديري، فإن المشهد الحالى يشير إلى أن العالم اقترب بالفعل من “النهاية السياسية” للحرب، وليس نهايتها العسكرية فقط. النهاية هنا لا تعنى السلام الكامل، بل تعنى انتقال الجميع إلى مرحلة “توازن المصالح” بدل “الحرب المفتوحة”. فإعادة فتح هرمز، والحديث عن فك تدريجي للعقوبات، والعودة لمناقشة الملف النووي، والبحث عن ضمانات إقليمية، كلها مؤشرات على أن العالم يتجه نحو “اتفاق ضرورة” لا “اتفاق ثقة”. وقد تستمر المناوشات والتوترات، لكن المؤكد أن القوى الكبرى أدركت أن العالم لم يعد يحتمل حرباً شاملة جديدة، وأن الاقتصاد أصبح أقوى من المدافع، وأن من يسيطر على الطاقة والمعلومات والممرات البحرية يستطيع فرض النفوذ دون احتلال مباشر. لذلك ربما لا يكون ما نراه الآن مجرد نهاية لصراع أمريكي إيراني، بل بداية شرق أوسط جديد، ونظام عالمي مختلف يعاد تشكيله بهدوء خلف الدخان.

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts