ما العلاقة بين بجعة سوداء ظهرت في أستراليا قبل قرون، وفرخة بيضاء أثارت جدلا واسعا في عالمنا العربي؟
ظاهريا لا شيء.
لكن في عالم الأفكار بينهما قاسم مشترك خطير:
كلاهما هز يقينا كان يبدو راسحًا.
فمنذ شهرين تقريبا رحل الدكتور ضياء العوضي، لكن الأفكار لا ترحل مع أصحابها. بل ربما تبدأ حياتها الحقيقية بعد غيابهم. فالأشخاص يغادرون، أما الأسئلة التي يثيرونها فتبقى معلقة في الهواء، تبحث عمن يجيب عنها أو يعيد طرحها بصورة مختلفة.
خلال الأشهر الأخيرة أثار الدكتور ضياء العوضي جدلا واسعا حول الغذاء والصحة وأنماط الحياة. وكعادة كل جدل يمس ما يدخل أجسادنا، انقسم الناس بين مؤيد ومعارض، بين مقتنع ومشكك بين من رأى فيه صاحب رؤية تستحق التأمل، ومن رأى أنه يبتعد عن مسارات المعرفة المستقرة.
لكن ما استوقفني في هذه القصة لم يكن الطعام.
ولم يكن الطب.
ولم يكن حتى الدكتور ضياء العوضي نفسه.
ما استوقفني هو شيء آخر تماما: علاقتنا نحن باليقين.
فبينما كنت أتابع محايدا هذا الجدل، قفز إلى ذهني اسم قد يبدو بعيدا عن عالم التغذية لكنه في الحقيقة قريب من جوهر المسألة نسيم نيقولاس طالب مؤلف كتاب البجعة السوداء.
ولمن لا يعرف سبب اختيار نسيم طالب المصطلح “البجعة السوداء”، فالقصة نفسها تستحق التأمل.
لآلاف السنين عاش الأوروبيون وهم على يقين كامل بأن جميع أنواع البجع في العالم بيضاء اللون لم يكن ذلك رأيا أو فرضية، بل حقيقة تبدو مؤكدة. فكل بجمة شاهدوها كانت بيضاء، وكل الرسومات والكتب والمشاهدات أكدت الأمر جيلاً بعد جيل.
ومع تراكم المشاهدات تحول الاستنتاج إلى يقين.
ثم جاء المستكشفون الأوروبيون إلى أستراليا في القرن السابع عشر.
وهناك حدث ما لم يكن في الحسبان
وجدوا بجعا أسود اللون.
لم يحتج الأمر إلى آلاف البجعات السوداء لتحطيم اليقين القديم، بل كانت بجمة سوداء واحدة كافية لهدم اعتقاد استمر قرونا طويلة.
ومن هنا استعار نسيم طالب المصطلح ليصف تلك الأحداث أو الحقائق التي تظهر فجأة فتجبرنا على إعادة النظر فيما كنا نظنه محسوما.
فالبجعة السوداء ليست طائرا.
إنها لحظة انهيار يقين.
إنها اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن الأدلة التي امتلكها بالأمس لم تكن خاطئة بالضرورة، لكنها لم تكن كاملة.
نسيم طالب ليس طبيبنا، ولا خبير تغذية، ولا باحثا في علوم الغذاء، إنه مفكر كرس جزءا كبيرا من مشروعه الفكري لسؤال واحد يكاد يختبئ خلف معظم أخطاء البشرة: ماذا لو كانت معرفتنا أقل صلابة مما تتصور؟
لقد انشغل طالب طوال سنواته الفكرية بما سماه حدود المعرفة البشرية، لم يكن يشكك في العلم، بل في ثقتنا المفرطة بما نعتقد أننا نعرفه كان يرى أن المشكلة الكبرى ليست في الجهل ذاته، وإنما في الجهل الذي يرتدي ثياب اليقين
فالإنسان يستطيع التعايش مع نقص المعلومات، لكنه يجد صعوبة بالغة في التعايش مع فكرة أن ما يعتبره حقيقة راسخة قد يكون مجرد محطة مؤقتة في رحلة فهم أطول.
ولو تخيلنا لقاء بين ضياء العوضي ونسيم طالب، فأظن أن الحوار بينهما لن يدور حول قائمة طعام أو نظام غذائي أو دراسة علمية بعينها.
سيكون الحوار أعمق من ذلك.
سيكون حول سؤال قديم يتكرر في كل عصر:
كيف تعرف أننا نعرف؟
فكل جيل يمتلك مجموعة من المسلمات التي تبدو له بديهية. ومع مرور الزمن تتحول هذه المسلمات إلى ما يشبه الحقائق المطلقة، تتكرر في الكتب، وتدرس في الجامعات، وتتناقلها وسائل الإعلام، فينشأ شعور خفي بأن الملف قد أغلق، وأن النقاش قد انتهى.
لكن التاريخ العلمي لا يعرف الملفات المغلقة.
فكل معرفة بشرية، مهما بلغت قوتها، محاطة بهامش من عدم اليقين، وكل نظرية، مهما بلغت شهرتها، تقف فوق أرض تحتوي على أسئلة لم تجب عنها بعد.
وهنا تكمن المفارقة.
نحن لا نخاف من الجهل بقدر ما نخاف من اكتشاف وجوده.
فالجهل الصريح يمكن الاعتراف به، أما الجهل المختبئ داخل اليقين فهو أكثر إزعاجا لأنه يظهر فجأة ليذكرنا بأن الصورة التي اعتقدنا اكتمالها لم تكن سوى جزء من مشهد أكبر.
في إدارة المخاطر نتعلم أن أخطر ما يهدد المؤسسات ليس ما تعرفه من مخاطر، بل ما لا تعرف أنها لا تعرفه. وفي الفكر والعلوم لا يختلف الأمر كثيرا. فالتاريخ مليء بأمثلة الأفكار بدت نهائية في زمانها، ثم اكتشف الناس لاحقا أنها كانت بحاجة إلى مراجعة أو تصحيح أو توسیع.
ولعل أعظم ما يقدمه العلم للبشرية ليس اليقين، بل القدرة على مراجعة اليقين.
هذه الفكرة تبدو مزعجة للكثيرين. فالناس بطبيعتها تميل إلى الإجابات النهائية. تحب أن تشعر أن الأمور قد حسمت، وأن الحقائق قد استقرت، وأن الطريق أصبح واضحا، لكن الواقع أكثر تعقيدا من رغبتنا في الطمأنينة.
فالفرق بين العقل العلمي والعقل العقائدي ليس أن الأول يمتلك الحقيقة والثاني لا يمتلكها، بل أن الأول يحتفظ دائما بمقعد فارغ للشك.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية للجدل الذي أثاره الدكتور ضياء العوضي رحمه الله لا تكمن في الاتفاق معه أو الاختلاف حوله، وإنما في أنه أعاد تذكيرنا بوجود تلك المنطقة المنسية الواقعة بين المعرفة والجهل.
منطقة عدم اليقين.
تلك المنطقة التي ينظر إليها البعض باعتبارها ضعفا، بينما هي في الحقيقة مصدر قوة العلم نفسه.
فالعلم لا يتقدم لأن البشر يملكون كل الإجابات، بل لأنه يعترف بأن بعض الإجابات ما زالت ناقصة.
ولو كان نسيم طالب حاضرًا بيننا اليوم، فربما لم يسأل هل كان ضياء العوضي محقا أم مخطنا؟
بل كان سيسأل سؤالا آخر أكثر أهمية:
كم فكرة تعتبرها اليوم يقينا كاملا، بينما هي في الحقيقة تنتظر سؤالا جديدا يكشف حدودها؟
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم.
فالمعرفة البشرية ليست قلعة مكتملة البناء، بل ورشة عمل لا تتوقف. وكلما اعتقدنا أننا وصلنا إلى نهاية الطريق، ظهر سؤال جديد ليذكرنا بأن الطريق أطول مما ظننا.
ولهذا لا أخشى على المجتمعات من نقص المعرفة بقدر ما أخشى عليها من فائض اليقين.
ففي اللحظة الى تتوقف فيها عن السؤال، يبدأ الجهل في ارتداء ملابس الحكمة.
وفي اللحظة التي نظن فيها أن الحقيقة أصبحت نهائية، نكون قد أغلقنا الباب أمام الحقيقة التالية
