مقالات

من يكتب خاتمة الصراع في الشرق الأوسط.. ومن يملك أوراق الاقتصاد العالمي؟ – الأسبوع

في الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب عندما تتوقف الصواريخ، بل عندما ينجح أحد الأطراف في فرض معادلته السياسية والأمنية على خصومه ولذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: من أطلق الضربة الأولى؟ بل من يمتلك القدرة على كتابة السطر الأخير في نهاية هذه المواجهة المفتوحة؟

لقد دخل الصراع مرحلة جديدة تتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية، صاروخ ينطلق من حيفا باتجاه الضاحية الجنوبية لبيروت، فيأتي الرد من طهران، ليس باعتباره دفاعاً عن حليف إقليمي فحسب، وإنما باعتباره رسالة مفادها أن قواعد الاشتباك القديمة لم تعد قائمة، وأن أي محاولة لعزل الساحات عن بعضها البعض أصبحت أمراً بالغ الصعوبة.

ومن هنا، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن مسار الحرب نفسها: من يدافع عن لبنان؟

هل تدافع عنه الدولة اللبنانية ومؤسساتها الوطنية، أم أن لبنان تحول بحكم موقعه الجيوسياسي إلى ساحة تتقاطع فوقها حسابات القوى الإقليمية والدولية؟ فالمأساة اللبنانية لم تكن يوماً في ضعف موارد البلاد، بقدر ما كانت في موقعها الدائم على خطوط التماس بين المشاريع المتنافسة، بينما يبقى المواطن اللبناني هو الخاسر الأكبر.

لكن الأخطر من تبادل الضربات العسكرية، هو انتقال الحرب من ساحات النار إلى ساحات الاقتصاد والطاقة.

فبعد تعرض حيفا للقصف، ارتفعت أسعار النفط عدة دولارات للبرميل، في مؤشر يعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه أي اضطراب في شرق المتوسط والخليج. فالأسواق لا تنتظر اندلاع حرب شاملة، بل يكفي ارتفاع احتمالات التصعيد حتى تبدأ موجات القلق والمضاربة، بما ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والشحن والتأمين.

وهنا يبرز السؤال الأكثر تعقيداً: من يملك التأثير الأكبر على الاقتصاد العالمي، الولايات المتحدة أم إيران؟

من الناحية الاستراتيجية، ما زالت الولايات المتحدة تمتلك أدوات الهيمنة الرئيسية على النظام الاقتصادي العالمي، من خلال الدولار، والنظام المالي الدولي، والمؤسسات الاقتصادية الكبرى، والتفوق التكنولوجي والعسكري. لكن إيران، رغم العقوبات، تمتلك قدرة مختلفة، لا تقوم على إدارة الاقتصاد العالمي، بل على التأثير في استقراره عبر موقعها الجغرافي، وإشرافها غير المباشر على أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن طهران لا تملك الاقتصاد العالمي، لكنها تمتلك القدرة على إرباكه، فمجرد ارتفاع منسوب التوتر في المنطقة، أو تعرض منشآت استراتيجية للخطر، كان كافياً لارتفاع أسعار النفط بنحو خمسة دولارات للبرميل، الأمر الذي يكشف أن سوق الطاقة ما زال رهينة الأمن الجيوسياسي في الخليج والشرق الأوسط.

وبينما تملك واشنطن مفاتيح النظام الاقتصادي العالمي، تملك طهران القدرة على تهديد بعض مفاصله الحيوية، ومن هنا تنبع خطورة الصراع الحالي، لأن المواجهة لم تعد مجرد تبادل للصواريخ، بل أصبحت صراعاً على خطوط التجارة والطاقة والممرات البحرية، وعلى مستقبل التوازنات الاقتصادية الدولية.

وفي هذا السياق، يعود إلى الواجهة سيناريو الفوضى الذي لطالما حذرت منه مراكز الدراسات الاستراتيجية، فاحتمالات استهداف المصافي النفطية، ومحطات تحلية المياه، وموانئ التصدير، وخطوط الملاحة في الخليج العربي، لم تعد مجرد فرضيات نظرية، بل باتت جزءاً من حسابات جميع الأطراف.

وإذا كانت إسرائيل تسعى إلى تثبيت معادلات أمنية جديدة، فإن إيران تحاول بدورها تأكيد أن أمن المنطقة مترابط، وأن أي اشتعال في لبنان أو غزة أو الخليج لن يبقى محصوراً داخل حدوده الجغرافية.

أما الولايات المتحدة، فهي تدرك أن انفجاراً واسعاً في المنطقة لن يهدد حلفاءها فقط، بل سيصيب الاقتصاد العالمي بأضرار عميقة، في وقت يشهد فيه العالم أزمات متراكمة، من أوكرانيا إلى بحر الصين الجنوبي، ومن اضطرابات سلاسل الإمداد إلى المخاوف من الركود الاقتصادي ولذلك، تبدو جميع الأطراف وكأنها تسير على حافة الهاوية، تستعرض القوة، لكنها تخشى السقوط في حرب لا يستطيع أحد التنبؤ بنهايتها.

فالشرق الأوسط لم يعد ساحة صراع على الحدود فقط، بل أصبح ساحة صراع على الاقتصاد والطاقة والنفوذ وإعادة رسم التوازنات، ومن هنا، فإن السطر الأخير في هذه الحرب لن يكتبه الصاروخ الأخير، بل ستكتبه القدرة على تحمل كلفة الصراع، ومن ينجح في فرض معادلته السياسية والاقتصادية على المدى الطويل.

وحتى الآن، لا تبدو أي قوة قادرة على تحقيق نصر حاسم. ولذلك، فإن المنطقة لا تعيش مرحلة إنهاء النزاع، بل مرحلة إدارة النزاع، فيما يبقى الشرق الأوسط معلقاً بين احتمال الانفجار الكبير، واحتمال العودة إلى حرب باردة طويلة، يكون الاقتصاد فيها سلاحاً لا يقل خطورة عن الصواريخ.!!

اقرأ أيضاًلبنان بين فكَّيِ التفاوض والحرب.. ماذا تريد إسرائيل حقًّا؟

هل تدخل مصر عصر تكنولوجيا المواصلات الذكية؟

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts