في كل ذكرى لهزيمة يونيو 1967 يعود إبراهيم عيسى إلى طرح الخطاب ذاته، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة، وكأن ما تراكم خلال ما يقرب من ستة عقود من أبحاث ووثائق ودراسات وشهادات عن حرب 1967 لم يحدث أصلًا.
لا يقدم عيسى معلومة جديدة، ولا يكشف وثيقة مجهولة، ولا يضيف قراءة تستحق التوقف عندها، بل يكتفي بإعادة تدوير الخطاب نفسه عامًا بعد الآخر، في اجترار متواصل للهزيمة، واختزال متعمد لتاريخ مصر الحديث كله في لحظة انكسار واحدة.
الأمر اللافت أن جمال عبد الناصر لم يتهرب يومًا من مسؤولية ما جرى، ففي 9 يونيو 1967 خرج أمام الشعب معلنًا تحمله المسؤولية الكاملة عن الهزيمة، وأعلن تنحيه عن رئاسة مصر. ولم ينتظر إدانة أحد، بل بادر بالاعتراف بأخطائه، كما أن نقده الذاتي للنظام لم يكن مجرد موقف عابر، بل تكرر في لقاءاته واجتماعاته مع مسؤولي حكومته وزواره من قادة العالم، وهي محاضر ووثائق منشورة ومتاحة اليوم. لذلك لا يبدو عبد الناصر في حاجة، بعد أكثر من خمسة عقود على رحيله، إلى مواعظ متأخرة أو نواحٍ سنوي يكرره إبراهيم عيسى.
حرب يونيو ليست حدثًا غامضًا أو ملفًا مجهولًا، بل هي من أكثر الحروب دراسة وتوثيقًا في التاريخ المعاصر. نُشر عنها آلاف الوثائق ومئات الكتب والدراسات، إضافة إلى شهادات القادة والسياسيين من مختلف الأطراف، ومع ذلك يتصرف إبراهيم عيسى وكأن الحقيقة لم تُكتشف إلا على يديه.
والأخطر من ذلك أن خطابه يتقاطع بصورة لافتة مع الرواية الصهيونية التي سعت منذ عام 1967 إلى ترسيخ فكرة واحدة: أن أي مشروع للاستقلال الوطني أو التحرر من الهيمنة الأجنبية مصيره الحتمي الفشل والانهيار. ولذلك يجري اختزال تجربة عبد الناصر كلها في لحظة الهزيمة، وتجاهل كل ما عداها من إنجازات وإخفاقات ودروس تاريخية.
إن الباحث الحقيقي ينقب في الوثائق، أما النبّاش فلا يعنيه إلا القبور، وحين تتحول الكتابة إلى نبش دائم في المقابر السياسية، يصبح صاحبها أشبه بحفّار قبور يجوب المقابر بحثًا عن عظام قديمة يعرضها كل عام على الجمهور باعتبارها كشفًا جديدًا. لا قراءة جديدة، ولا وثائق جديدة، ولا أفكار جديدة، فقط تغذية مستمرة لثقافة اليأس والعجز.
ولهذا يبدو إبراهيم عيسى منشغلًا بتكريس الهزيمة أكثر من انشغاله بفهمها، ومهتمًا بتشويه تجارب الاستقلال الوطني أكثر من اهتمامه بتحليلها. فالرواية التي يرددها باستمرار لا تقول إن تجربة عبد الناصر أخطأت في بعض المواضع، بل تدينها بالكامل، ليصل من خلالها إلى أن فكرة الاستقلال الوطني نفسها كانت خطأ، وأن السعي إلى بناء مشروع مصري مستقل كان وهمًا يستحق العقاب.
ويبقى أن أكثر ما يثير السخرية في هذا المشهد أن إبراهيم عيسى نفسه هو أحد أبناء التحولات الاجتماعية التي جاءت بها ثورة يوليو. فلو بقي التعليم العالي حكرًا على الطبقات الميسورة كما كان الحال قبل ثورة 1952، ولو لم تفتح الدولة أبواب التعليم والترقي الاجتماعي أمام أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة، لما جلس كثيرون على المنابر التي يجلسون عليها اليوم.
ومن مفارقات التاريخ أن بعض أكثر المهاجمين لعبد الناصر هم من أكثر المستفيدين من سياساته التي أطلقت صعودهم الاجتماعي، ولذلك يبدو المشهد أحيانًا وكأن عبد الناصر لم يكتفِ بتعليم إبراهيم عيسى، بل وفّر له أيضًا المنبر الذي يقف عليه ليهاجمه بعد أكثر من نصف قرن على رحيله.
إن مصر لن تُبنى بالنواح على هزيمة في معركة، ولا بالنبش في القبور، ولا بترديد الروايات التي تريد للأمة أن ترى نفسها مهزومة إلى الأبد، بل بقراءة التاريخ كله بانتصاراته وإخفاقاته، بعقل الباحث لا بعويل الندّابات ونفسية النبّاشين.
اقرأ أيضاً«أبو الغيط» يكشف تفاصيل تجربته السياسية منذ يونيو 1967 بمعرض القاهرة الدولي للكتاب
