وكلاء إيران.. استراتيجية نفوذ أم عبء على طهران؟

وكلاء إيران.. استراتيجية نفوذ أم عبء على طهران؟

فبين ضربات متبادلة واعتداءات متكررة تطال دولا عدة، تتجه الأنظار إلى الأذرع الولائية التي تنشط من لبنان إلى اليمن مروراً بالعراق.. هل تحولت إيران إلى قوة تدير التصعيد من خلف الستار؟ وما حدود سيطرة طهران على هذه الشبكة المعقدة من الوكلاء؟.. هذه التساؤلات كانت محور نقاش معمق في برنامج “الظهيرة” على سكاي نيوز عربية، حيث تقاطعت آراء 3 محللين بارزين هم الكاتب والباحث السياسي عايد المناع، والباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بشير عبد الفتاح، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران حسين رويوران، مقدّمين رؤى متباينة تكشف أبعاداً جديدة في فهم الاستراتيجية الإيرانية وأدواتها الإقليمية.

استراتيجية الدفاع المتقدم.. عقيدة الانتشار بالوكالة

في تحليله للبعد الاستراتيجي لتحركات إيران، كشف الباحث بشير عبد الفتاح عن مفهوم محوري يحكم السياسة الإيرانية، قائلا: “الحقيقة أن إيران لجأت إلى فكرة الوكلاء أو الأذرع الولائية المسلحة ضمن ما يعرف بإستراتيجية الدفاع الأمامي أو الدفاع المتقدم”.

وأوضح عبد الفتاح أن طهران تمتلك “طموحات للتحرك الاستراتيجي في فضاءات أوسع في مسارح عمليات أبعد”، وهو ما كان سيستوجب انتشاراً عسكرياً مباشراً وصفه بالمستحيل. وبناءً عليه، لجأت إيران إلى تجنيد خلايا من دول بعينها “تقوم بتدريبها وتمويلها وتسليحها للقيام بهذه المهام نيابة عن إيران في مسارح عمليات بعيدة”.

ويضيف عبد الفتاح بعداً آخر لهذه الاستراتيجية، مشيراً إلى أن “إيران لا تريد المواجهة المباشرة، لا تريد أن تنخرط بنفسها في مواجهات وتتحمل كلفة هذه المواجهات بشرياً ومادياً بشكل مباشر”، مما دفعها للاعتماد على الوكلاء لتنفيذ أجندتها سواء ضد إسرائيل أو ضد دول المنطقة.

من استعداء الأشقاء إلى تدمير الدولة الوطنية

من جانبه، ذهب الكاتب والباحث السياسي عايد المناع إلى توصيف أكثر حدة للممارسات الإيرانية، معتبراً أن “إيران للأسف الشديد استعدت المنطقة بشكل لا مبرر له على الإطلاق، واستعدت المنطقة أيضاً بأذرعها المختلفة”.

وأكد المناع أن “هذه الأذرع ثبت الآن بدون الاحتياج إلى أدلة بأنها إيرانية أكثر بكثير من أنها تنتمي إلى أوطانها على الإطلاق”، في إشارة إلى تجاوز ولاء هذه الجماعات لحدودها الوطنية لصالح طهران.

وفي سياق متصل، سلط بشير عبد الفتاح الضوء على أخطر تداعيات هذه الاستراتيجية، محذرا من أن “خطورة هذا هو أنه يضرب مسألة الدولة الوطنية في مقتل، يضرب فكرة القومية في مقتل”.

الأسياد عند ولاية الفقيه… رواية طهران المضادة

في المقابل، رفض أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران حسين رويوران، توصيف القوى المتحالفة مع إيران بأنها مجرد مجموعات جندتها طهران أو تتحرك بوصفها أدوات تابعة لها، معتبراً أنها مكونات أصيلة داخل مجتمعاتها.

وفي تفسيره لطبيعة العلاقة بين إيران وهذه القوى، قال رويوران إن “إيران هي التي تبنت أولويات هذه الأطراف”، موضحاً أن أولوية مواجهة إسرائيل “لم تكن أولوية إيرانية في الأصل”، وإنما تبنتها طهران انطلاقاً من اعتبارها أن إسرائيل تمثل “تهديداً حقيقياً للبنان ولفلسطين ولكل المنطقة”.

وانطلاقاً من ذلك، أكد أن هذه الأطراف “لا تعمل لحساب إيران”، وإنما تتحرك وفق أولوياتها الخاصة، مع وجود التقاء بينها وبين إيران “في الأيديولوجيا والأولويات”، وهو ما اعتبره جوهر العلاقة بين الجانبين.

معاداة إسرائيل… قضية عربية أم توظيف إيراني؟

ورد عايد المناع على طرح رويوران بالتأكيد أن معاداة إسرائيل، بحسب قوله، “ليست إنتاجاً إيرانياً”، مشيراً إلى أن العرب كانوا في مواجهة إسرائيل منذ قيامها، بل ومنذ عام 1936، وقدموا شهداء في هذه القضية.

وأضاف أن مصر خاضت حروبا وتكبدت خسائر، كما تعرضت الأردن وسوريا ولبنان لتداعيات الصراع. وربط ذلك باتهامه إيران بالوقوف وراء تحريض حركة حماس على التمرد على السلطة الفلسطينية، وبالمشاركة، عبر حزب الله، في القتال داخل سوريا، معتبراً في الوقت ذاته أن إيران، تسعى إلى مشروع توسعي، وأنها عززت، وفق رؤيته، البعد المذهبي في المنطقة، كما تستخدم حلفاءها كورقة تفاوضية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي السياق ذاته، رأى الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بشير عبد الفتاح أن إيران توظف الوكلاء في إطار ما وصفه بـ”المشروع التوسعي الإيراني”، الهادف إلى توسيع نفوذها الإقليمي، وليس لخدمة القضية الفلسطينية أو الصراع مع إسرائيل.

وأضاف أن الضربات الإسرائيلية ركزت على البرنامج النووي الإيراني، والبرنامج الصاروخي، والطائرات المسيّرة، وشبكة الوكلاء، معتبراً أن إيران “لم تصنف يوماً بأنها داعمة للعرب أو قوة مضافة إلى ميزان القوى العربية في مواجهة إسرائيل”، وإنما تتحرك، وفق تقديره، انطلاقاً من مشروعها الإقليمي.

أدوات تفاوضية بأثمان باهظة

رأى الكاتب والباحث السياسي عايد المناع أن إيران تستخدم هذه الجبهات بوصفها أدوات تخدم أهدافها، معتبراً أنها توظفها في صراعات تؤدي، بحسب وصفه، إلى استنزاف هذه القوى والبلدان التي تنشط فيها، بما يتيح لطهران الاحتفاظ بورقة تفاوضية في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

وقال إن إيران تستطيع، إذا أرادت، أن تطلب من حزب الله نزع سلاحه، معتبراً أنه سيستجيب خلال فترة وجيزة، لكنها لن تقدم على ذلك لأن هذا السلاح، وفق تقديره، يمثل إحدى أدواتها التفاوضية.

من جانبه، أشار الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بشير عبد الفتاح إلى خروج تظاهرات داخل إيران طالبت بوقف دعم الميليشيات، معتبراً أن شريحة من الإيرانيين باتت ترى أن سياسة دعم الوكلاء والأذرع، التي انتهجها النظام الإيراني منذ عام 1979، كانت من بين القرارات الاستراتيجية الخاطئة، بعدما أُنفقت عليها مليارات الدولارات من دون أن تحقق، بحسب رأيه، عائداً استراتيجياً لإيران.

وأضاف أن المحتجين رفعوا شعارات من قبيل: “لا لبنان ولا غزة ولا العراق، وإنما نريد الإنفاق على إيران وعلى الشعب الإيراني”، لافتاً إلى تقارير تحدثت عن تراجع مستوى الارتباط بين بعض الوكلاء وإيران، ومؤكداً أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتجهان، وفق تقديره، إلى العمل على طي صفحة الوكلاء والأذرع الولائية خلال المرحلة المقبلة.



Exit mobile version