بعيداً عن أي دلالات رمزية، وبعيداً عن “الصدف” التي يمنحها الناس للأرقام أكثر مما تحتمل، جاءنا “7” أغسطس، ليمنح الرقم (الملهم) حكاية موسيقية خاصة، يغنيها “7” نجوم في ليلة واحدة، جذبوا الأنظار نحو الساحل الشمالي، كـ”كيان موسمي” على خريطة الصيف، وصنعت الليلة “السبعية”، في العلمين، مشهداً غنائياً براقاً يخطف القلوب.
شيرين عبد الوهاب، عمرو دياب، أنغام، كايروكي، محمد حماقي، أحمد سعد، واللبنانية نانسي عجرم، “7” أصوات لا يجمعها لون موسيقي واحد، ولا جمهور واحد، ولا حتى “خلطة” واحدة للنجاح، لكن هذه الأسماء كلها، اجتمعت، بالصدفة، في ليلة واحدة، وكأن السوق قرر أن يعرض بضاعته كلها في فترينة واحدة، في نفس الوقت، يراها العابرون من كل الزوايا.
من المستحيل أن يفكر أحد أنه يستطيع مشاهدة كل هؤلاء النجوم في نفس الوقت، ولكن “موسم الصيف الساحلي” اختار أن يجمع كل هؤلاء في “سلة واحدة”، لتقديم صورة مكثفة عن “سوق الأغنية” في 2026، هذا السوق الذي لم يعد مرتبطاً فقط بقوة الصوت أو عدد الأغاني، وإنما بقدرة الفنان على صناعة “حالة” يرى فيها الجمهور نفسه، أو بعضاً منها!
وفي عالم مغامر، يحتاج كل رهان إلى رقم، وكل من يدخل لعبة الرهانات لابد أن يختار رقماً يضع عليه ثقته، لكن في ليلة “7” أغسطس، بدا وكأن الرهان اختار نفسه قبل أن يختاره أحد، لم يأتِ الرقم مجرد “صدفة عابرة” في التقويم، وإنما جاء ليكتسح اللعبة، ويكسب الرهان قبل أن تبدأ المنافسة.
“حاولت.. فشلت.. .لا بأس.. حاول مجدداً.. .افشل مجدداً.. افشل بصورة أفضل” عبارة كتبها الروائي الإيرلندي “صمويل بيكيت”، تكشف كيف أن الحياة لا تهدينا دائماً رهانات رابحة، لكنها تمنحنا فرصة أن نعيد اللعب، وفي ليلة اختار القدر رقم “7” بطلاً للمشهد، كانت شيرين عبد الوهاب تخوض رهاناً آخر: رهان العودة، بعد أن كادت خساراتها السابقة، تنذرها باقتراب النهاية.
ومن مفارقات القدر، وأكثرها “قسوة” في حياة شيرين، أن “شهرتها الجبارة” التي صنعتها موهبتها، أصبحت بعد ذلك هي نفسها السبب في تضخيم كل ما يحدث لها من أزمات، فلم تكن مجرد نجمة عادية، وإنما لها صوت شديد الخصوصية، وشخصية عفوية، جعلتها قريبة من الناس، ولكن هذا القرب جعل جمهورها يشعر أن له الحق في معرفة (وتفسير) تفاصيل حياتها، فأصبحت “علاقات” شيرين كـ”امرأة” جزءاً مهماً من أخبارها، و”أزماتها” جزءاً من “الرأي العام”، وظهورها واختفاؤها “مادة خصبة” تفتح أبواب التوقعات (والتطفل)، على مصراعيها.
عودة شيرين لا تعني فقط استئناف نشاطها الفني، ولكنها تحاول استعادة علاقتها هي بـ”ثلاث نسخ” من “شيرين”: أولاهما التي عرفها الناس في البدايات، والثانية تشكلت أمام عبر الأزمات، أما الثالثة، فهي “شيرين” التي تريد أن تكونها الآن، بلا شك معادلة معقدة!
وسط حضور عدد كبير من الفنانين، وبداية بأغنية قديمة (صبري قليل)، وضحت “الخلطة الجديدة” في وقفتها على المسرح، تداعب الجمهور، وتنادي “تيك توكر” للصعود إليها، وتراجع كلمات الأغاني قبل اندماجها، وتشارك المطرب الشعبي “محمود الليثي” أغنيته الشهيرة “عم المجال كله”، ولعل أصعب ما يواجه شيرين فنياً، أن العودة الذكية لا تكون باستنساخ الصورة القديمة، بل بتقديم نسخة جديدة أكثر نضجاً، وإثبات أن الألم أعاد اكتشاف “طبقة مختلفة” بين ثنايا صوتها، والمسؤولية مشتركة بين شيرين وجمهورها، فهي مطالبة بتقديم “فن جديد”، أما الجمهور فهو مطالب بـ”السماح” لشيرين أن تعود كـ”فنانة” تغني، وليست كـ”قضية” مطروحة للنقاش، وبقدر تحوّل حفلها إلى “تتويج لحظة انتصار”، وغمرها مواقع التواصل الاجتماعي، بقدر ما صعّب الأمور على شيرين، فالاستمرارية وحدها تثبت أن العودة حقيقية.
أما الفنان عمرو دياب، فلا يحتاج إلى عودة، لأنه ببساطة لم يغب يوماً، ظل يراهن دائماً على صناعة “اللحظة المدهشة”، وفي أحدث أغنياته “لولا البنات”، استخدم أهم أدواته المفضلة: الإبهار البصري، ولعل اختياره “البيئة الشعبي الفلاحي”، كنموذج مثالي للذكاء الفني (الذي يجيده على مدار 40 سنة)، حيث لعب على مفردات صورة بعيدة تماماً عن الصورة الذهنية التي يحفظها جمهور الهضبة، فهو لا يحتاج أن يكون “مختلفاً تماماً”، يكفيه تقديم “تفصيلة” مختلفة تبقيه في بؤرة الدهشة باستمرار، ربما يتضاعف “حجم التفصيلة” في الأيام المقبلة، بعد تناثر شائعات حول علاقة عاطفية مرتقبة مع “الموديل” التي رقصت معه في الكليب، والحفل!
وكعادته، يغرد الفنان أمير عيد، مع فريق “كايروكي”، بعيداً، في عالم فكري وفلسفي وبصري خاص، في لعبة أكثر ذكاء، مع الزمن والذاكرة، لا يكتفي “كايروكي” بأن يقول: “اسمعونا”، بل يقول: “تعالوا إلى عالمنا”، ولم يكن جمهور حفلهم مجرد مستمع، بل “متوحد” مع الأغاني، يرى فيها “شريط حياته”، وجاءت معظم أغاني الحفل، من الكليب الأخير، الذي كان أشبه بـ”صندوق مفتوح للنوستالجيا”، مستخدماً فكرة “آلة الزمن”، ومستعيناً بشخصيات تحمل في الذاكرة دلالات خاصة، لأجيال مختلفة: الإعلامي محمود سعد، والفنان محمود عزب، مع كلمات للشاعر الراحل ميدو زهير، كـ”تضفير مثير” للموسيقى المتطورة مع الماضي والمستقبل، بشكل وضع الجمهور أمام المرآة، وزاد من الإثارة اسم الألبوم، سوبرنوفا، وهي ظاهرة يعرفها علماء الفلك بـ”انفجار النجوم في الفضاء”!
ووسط “وصلات الغناء المشترك” بينها وبين جمهور حفلها، ظهر رهان “أنغام” الجديد، على “الميني ألبوم”، الصادر مؤخراً، كاختيار فني مكثف يستجيب لـ”ضيق زمن الاستماع”، وبرغم كونها تعتمد على “الإصغاء”، إلا أنها تواجه إيقاعاً لا يصبر عليه، ولكنها تستطيع في كل الأحوال أن تضع جزءاً صغيراً من عالمها في “ميني ألبوم” تاركة لجمهورها مهمة إكمال الحكاية، لتثبت أنها “حالة خاصة جداً”، مهما تمر الأيام.
وفي اتجاه معاكس، راهن محمد حماقي، في ألبومه العاشر الصادر منذ أسابيع، على “18” أغنية، كمحاولة تعويض فترة غياب طويلة، وحرصه على الجمع بين ذاكرة “البوب المصري”، ومتطلبات السوق الحالي، استناداً إلى “الثقة المتراكمة” بينه وبين الجمهور، وهو ما تجلّى في حفله، ذي “الدعوات الخاصة”.
وبـ”بدلة بمبي”، واصل أحمد سعد هوايته في تصدر التريند بـ”الطرافة”، كجزء مهم من اسمه كـ”براند”، وقطعة من شخصيته يروج لها باستمرار، فهو لا يتعامل مع النجومية كـ”صورة مصقولة”، بل من خلال إنسان “يعيش ويخطئ ويعتذر ويمزح”، وامتدت مساحته الشخصية الحقيقية إلى أحدث أغانيه “كده كده”، التي شاركها مع ابنته “جودي”، وعلى النقيض، كانت شريكته في الحفل، اللبنانية نانسي عجرم، صاحبة مبدأ “النعومة” و”الهدوء”، بلا ضجيج أو مفاجآت، بالحفاظ على مساحتها الخاصة التي صنعتها بصوتها الخفيف، وأدائها الطفولي، وصورتها التي لا تحتاج إلى صراخ لكي تظل حاضرة.
