تستعد أكبر خمس مسابقات للدوري في أوروبا، المعروفة باسم «البيج فايف»، لانطلاق موسم 2026-2027، بعدما بدأت منافسات الدوري الإسباني بالفعل، فيما تنطلق منافسات الدوري الإنجليزي والدوري الإيطالي والدوري الفرنسي يوم 21 أغسطس، على أن يبدأ الدوري الألماني يوم 28 من الشهر ذاته.
وتواصل الدوريات الخمسة الكبرى تعزيز هيمنتها المالية على كرة القدم العالمية، إذ تصل قيمتها السوقية مجتمعة إلى نحو 32 مليار يورو، مع استمرار الدوري الإنجليزي الممتاز في تصدر المشهد بفارق كبير عن أقرب منافسيه.
ووفقًا للتقرير الذي نشرته صحفية “آس”الإسبانية، تبلغ القيمة السوقية للدوري الإنجليزي نحو 12.56 مليار يورو، بما يمثل قرابة 40% من إجمالي القيمة السوقية للدوريات الخمسة، بينما تتجاوز إيراداته السنوية 8 مليارات يورو، وفق أحدث الدراسات الاقتصادية المنشورة عن كرة القدم خلال عام 2026، ومن بينها التقرير السنوي للتمويل في كرة القدم الصادر عن شركة «ديلويت»، إلى جانب تقارير التقييم السوقي الصادرة عن «Winsports» و«Football Benchmark».
الدوري الإنجليزي في الصدارة
يأتي الدوري الإسباني في المركز الثاني بقيمة سوقية تقدر بنحو 5.45 مليار يورو، يليه الدوري الإيطالي بقيمة 5.36 مليار يورو، ثم الدوري الألماني بنحو 4.8 مليار يورو، وأخيرًا الدوري الفرنسي بقيمة تصل إلى 3.8 مليار يورو.
وعلى مستوى الإيرادات السنوية، يتصدر الدوري الإنجليزي أيضًا بمتوسط يبلغ نحو 8.1 مليار يورو، يليه الدوري الإسباني بـ4.1 مليار يورو، ثم الدوري الألماني بـ4 مليارات يورو، والدوري الإيطالي بـ3.1 مليار يورو، بينما تبلغ إيرادات الدوري الفرنسي نحو 2.3 مليار يورو.
ويرى تياجو فريتاس، الرئيس التنفيذي للعمليات في «Roc Nation Sports»، أن مستقبل صناعة كرة القدم العالمية سيتحدد بدرجة كبيرة وفق اتجاهات الدوري الإنجليزي، مع وجود تأثير مهم لريال مدريد وبرشلونة.
وقال فريتاس إن الأندية الإنجليزية ستظل صاحبة التأثير الأكبر في تحديد ملامح الأعمال والممارسات الجديدة في كرة القدم، بينما سيكون تأثير الأندية الإيطالية الكبرى أقل مقارنة بنظيراتها الإنجليزية.
ريال مدريد وبرشلونة محركا الإيرادات في إسبانيا
وتتميز كل من الدوري الإسباني والدوري الفرنسي بخصوصية فيما يتعلق بمصادر الإيرادات، حيث يعتمد جزء كبير من القوة المالية على الإيرادات التي تحققها الأندية الكبرى.
وفي إسبانيا، يبرز ريال مدريد وبرشلونة باعتبارهما المحركين الأساسيين للعائدات التجارية، بينما يعتمد الدوري الفرنسي بصورة كبيرة على الإيرادات التي يحققها باريس سان جيرمان، خاصة من التذاكر والأنشطة التجارية.
وقال موسيس أساياج، الشريك الإداري في «Channel Associados»، إن الدوريات الأوروبية الكبرى تتجه بصورة متزايدة إلى تنويع مصادر الإيرادات، بالتوازي مع تطوير المصادر التقليدية.
وأضاف أن حقوق البث التلفزيوني لا تزال عنصرًا أساسيًا، لكن الرعاية والإيرادات المرتبطة بيوم المباراة اكتسبت أهمية أكبر، لأنها تمنح الأندية فرصة لتحقيق قيمة مباشرة من علاقتها بالجماهير والعلامات التجارية.
وأشار إلى أن تنويع مصادر الدخل يساعد الأندية على تقليل تأثرها بتراجع أو تباطؤ عقود البث، ويمنحها هيكل إيرادات أكثر استقرارًا واستدامة على المدى الطويل.
حقوق البث تمنح إنجلترا أفضلية كبيرة
تختلف مصادر الإيرادات الرئيسية من دوري إلى آخر، ففي الدوري الإنجليزي تأتي الحصة الأكبر من حقوق البث التلفزيوني الدولية، بينما يعتمد الدوري الألماني بصورة أكبر على مبيعات التذاكر والشراكات المحلية، في حين تتميز الأندية الإيطالية بقدرتها على تحقيق إيرادات كبيرة من العلامات التجارية والرعاية.
ومع انطلاق الموسم الجديد، تتسع الفجوة المالية بين إنجلترا وبقية الدوريات الأوروبية، خاصة بعدما تجاوز إجمالي إيرادات سوق كرة القدم الأوروبية حاجز 40 مليار يورو للمرة الأولى.
ووفق بيانات السوق وتقارير الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا»، فإن نمو عائدات حقوق البث للأندية الإنجليزية خلال العقد الأخير اقترب من إجمالي النمو الذي حققه باقي قطاع كرة القدم الأوروبية مجتمعًا.
ويحصل الدوري الإنجليزي على أكثر من 3.5 مليار يورو سنويًا من حقوق البث، مدفوعًا بالانتشار العالمي الكبير للمسابقة وقوة منتجها في الأسواق الدولية.
الملاعب تتحول إلى منصات اقتصادية
لم تعد الاستفادة من امتلاء المدرجات تقتصر على بيع التذاكر، إذ أصبحت الملاعب مصدرًا متنوعًا للإيرادات يشمل الضيافة والاستهلاك والسياحة والمحتوى والبيانات والفرص التجارية الجديدة.
وقال فاجنر ليتزكه، رئيس تطوير الأعمال في وكالة «End to End»، إن المنافسة المقبلة بين الدوريات الأوروبية لن تكون داخل الملعب فقط، وإنما ستتمثل في قدرة الأندية على تحويل اهتمام الجماهير إلى إيرادات دون الاعتماد المتزايد على حقوق البث.
وأوضح أن الأندية التي تتعامل مع الملعب وقاعدة جماهيرها باعتبارهما منصات تجارية متكاملة ستكون صاحبة الأفضلية خلال السنوات المقبلة.
تراجع في إيطاليا وفرنسا
وفي الوقت الذي يواصل فيه الدوري الإنجليزي النمو، تواجه بعض الدوريات الأوروبية الأخرى حالة من التباطؤ.
ويحتفظ الدوري الإسباني بموقعه في المركز الثاني، لكنه لا يزال بعيدًا عن نظيره الإنجليزي، بينما تبدو الصورة أكثر صعوبة في إيطاليا وفرنسا.
وتعرض الدوري الإيطالي لانخفاض يقدر بنحو 3% في آخر دورة لحقوق البث المحلية، في حين شهد الدوري الفرنسي تراجعًا يقارب 20% في قيمة عقود البث التلفزيوني، ما دفع القائمين على المسابقة إلى تجربة نموذج البث المباشر للمستهلك «D2C» في محاولة للحد من الخسائر على المدى المتوسط.
الرعاية التجارية تحقق أرقامًا قياسية
ورغم التحديات المرتبطة بعائدات البث، شهد القطاع التجاري نموًا ملحوظًا، حيث كشفت دراسة مشتركة بين «European Sponsorship Association» و«Ampere Analysis» عن ضخ الرعاية التجارية نحو 5.4 مليار دولار في الدوريات الخمسة الكبرى مع بداية الموسم الجديد.
وتأتي نحو 76% من هذه الاستثمارات من علامات تجارية دولية، مع تصدر الشركات الأمريكية والشرق أوسطية والآسيوية قائمة المستثمرين.
وتستحوذ منافسات الدوري الإنجليزي والدوري الإسباني على عقود الرعاية وتوريد الملابس الرياضية الأعلى قيمة في العالم، بينما تعد «أديداس» العلامة التجارية الأكثر إنفاقًا على كرة القدم الأوروبية، بحصة تبلغ نحو 11% من إجمالي السوق.
وعلى مستوى الأندية، يتصدر ريال مدريد قائمة الإيرادات التجارية، إذ تحقق عقود الرعاية وتطوير ملعبه أكثر من 590 مليون يورو سنويًا، يليه بايرن ميونخ وباريس سان جيرمان.
ويتميز الدوري الألماني عن بقية الدوريات الكبرى بكون غالبية رعاته لا تزال من الشركات المحلية والألمانية.
ألمانيا تتفوق في الحضور الجماهيري وإنجلترا في الإيرادات
وعلى صعيد إيرادات يوم المباراة، والتي تشمل مبيعات التذاكر والاستهلاك داخل الملاعب والمقصورات الخاصة، يتنافس الدوري الألماني والدوري الإنجليزي على صدارة الكفاءة.
ويحافظ الدوري الألماني تاريخيًا على أعلى متوسط حضور جماهيري في العالم، مستفيدًا من أسعار التذاكر المناسبة وثقافة الملاعب الممتلئة، مع بروز أندية مثل بوروسيا دورتموند وبايرن ميونخ.
لكن الدوري الإنجليزي يتفوق من حيث الإيرادات الإجمالية، بفضل ارتفاع أسعار التذاكر وقدرة ملاعبه الحديثة على تحقيق عوائد تجارية كبيرة.
وبحسب مؤشر «Deloitte Football Money League»، ساهم تحديث البنية التحتية الرياضية في رفع إيرادات عدد من الأندية الكبرى، ومن بينها ريال مدريد وبرشلونة، اللذان نجحا في تعويض جزء من تراجع عائدات البث من خلال زيادة أسعار التذاكر وتطوير قدرات الملاعب والمنشآت التابعة لهما.
الدوري الإنجليزي يهيمن على سوق الانتقالات
ولا تقتصر الهيمنة الإنجليزية على الإيرادات، بل تمتد أيضًا إلى سوق الانتقالات، الذي يشهد نشاطًا متزايدًا مع اقتراب انطلاق الموسم الجديد.
وبحسب البيانات المذكورة، بلغت قيمة الإنفاق على الانتقالات في الدوريات الكبرى نحو 6.5 مليار يورو، ويتصدر الدوري الإنجليزي القائمة بفارق كبير بعدما أنفقت أنديته نحو 2.3 مليار يورو.
ويأتي الدوري الإيطالي في المركز الثاني بإنفاق بلغ 815.6 مليون يورو، يليه الدوري الإسباني بـ605 ملايين يورو، مع احتساب صفقة رودري، ثم الدوري الألماني بـ555 مليون يورو، والدوري الفرنسي بـ382.8 مليون يورو.
وتضم قائمة أكثر 10 مسابقات إنفاقًا كذلك دوري الدرجة الثانية الإنجليزي بـ245.3 مليون يورو، ثم الدوري التركي بـ244.7 مليون يورو، والدوري السعودي بـ219 مليون يورو، والدوري البرتغالي بـ208.6 مليون يورو، والدوري البلجيكي بـ119.7 مليون يورو.
7 أندية إنجليزية بين الأكثر إنفاقًا
وتؤكد قائمة الأندية الأكثر إنفاقًا قوة السوق الإنجليزية، حيث تضم القائمة سبعة أندية إنجليزية من أصل عشرة.
ويتصدر تشيلسي القائمة بإنفاق يبلغ نحو 389 مليون يورو، يليه توتنهام بـ267 مليون يورو، ثم ريال مدريد بـ225 مليون يورو، ومانشستر سيتي بـ175 مليون يورو، وأرسنال بـ168 مليون يورو، ونيوكاسل بـ161.2 مليون يورو.
وتضم القائمة أيضًا يوفنتوس بـ137.2 مليون يورو، وإيبسويتش تاون بـ127.9 مليون يورو، وبرايتون بـ126.1 مليون يورو، وميلان بـ107.4 مليون يورو.
ومن المنتظر أن يرتفع إنفاق برشلونة إلى نحو 150 مليون يورو حال إتمام صفقة انتقال رودري بصورة رسمية.
تحدي الاستدامة المالية
ويرى ألكسندر فروتا، الرئيس التنفيذي لشركة «FutPro Expo»، أن وصول سوق الانتقالات إلى هذه المستويات يعكس قوة وحيوية صناعة كرة القدم العالمية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية تحقيق التوازن بين التنافسية والاستدامة المالية.
وقال فروتا إن الأندية الأوروبية تواصل تسريع وتيرة استثماراتها، بينما يتعامل السوق البرازيلي مع الوضع بدرجة أكبر من الحذر والاستراتيجية، مؤكدًا أن التحدي الرئيسي لكرة القدم الحديثة يتمثل في الحفاظ على مستوى تنافسي مرتفع مع ضمان الاستدامة المالية للرياضة على المدى الطويل.
من جانبه، أوضح كلاوديو فيوريتو، الرئيس التنفيذي لشركة «P&P Sport Management»، أن سوق الانتقالات في منتصف الموسم بالبرازيل يختلف تاريخيًا عن بداية الموسم، مشيرًا إلى أن تحركات الأندية حتى الآن اتسمت بالحذر، وتركزت على تدعيم مراكز محددة وإجراء تعديلات محدودة بدلًا من إعادة بناء قوائم الفرق بصورة شاملة.
وأكد أن هذا الاتجاه يعكس الوضع المالي للأندية ورغبتها في الالتزام بالمسؤولية المالية، مع توقعه ارتفاع وتيرة النشاط قبل إغلاق سوق الانتقالات في سبتمبر.
وفي ظل هذه الأرقام، تبدو الصورة واضحة مع بداية موسم 2026-2027: الدوري الإنجليزي لا يكتفي بصدارة المنافسة الرياضية، بل يفرض نفسه أيضًا باعتباره القوة الاقتصادية الأكبر في كرة القدم الأوروبية، بينما يحاول باقي كبار القارة تقليص الفجوة عبر تنويع مصادر الإيرادات وتعظيم القيمة التجارية لجماهيرهم وملاعبهم.
