الولاعات في غزة.. سلعة نادرة يصل سعرها إلى 44 دولارا

الولاعات في غزة.. سلعة نادرة يصل سعرها إلى 44 دولارا

داخل خيمة في منطقة ميناء غزة، تعيش وسام عبد الله، البالغة 37 عاماً، مع زوجها العاطل عن العمل وأطفالها السبعة. وبين تفاصيل الحياة القاسية، أصبحت مهمة إشعال النار تحدياً يومياً يسبق إعداد كل وجبة أو كوب شاي.

تقول وسام لـموقع سكاي نيوز عربية: “نعاني أزمة حادة في توفير الولاعة، لدرجة أنني أضطر إلى استعارتها من جارتي، أو أنتظر أي شخص يشعل ناراً لأرسل ورقة مع أحد أبنائي لإشعالها، حتى أتمكن من طهي الطعام لأطفالي أو إعداد الشاي”.

بالنسبة إلى وسام، لا يتعلق الأمر بفقدان أداة صغيرة، بل بالقدرة على توفير وجبة لأطفال يعيشون داخل خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

ولاعة واحدة تخدم الجيران

على بعد عشرات الكيلومترات، يتكرر المشهد في منطقة مواصي خان يونس، حيث تعيش منى سليمان، البالغة 70 عاماً. أصبحت ولاعتها مقصداً لجيرانها النازحين الذين لا يستطيعون شراء واحدة بالأسعار الحالية.

وتقول الحاجة منى: “قداحتي لا تتوقف. طوال النهار يستعيرها الجيران لإشعال النار من أجل إعداد الطعام لأطفالهم أو تسخين الماء لإعداد الحليب للرضع”.

لا تتردد منى في إعارة القداحة، وترى أن مساعدة الجيران ضرورة تفرضها معاناة مشتركة. فالنازحون في الخيام والمنازل المتضررة جزئياً لا يملكون ترف الاحتفاظ بكل احتياجاتهم الأساسية، ما يحول أدوات بسيطة إلى ممتلكات يتشاركها الجميع.

وتؤكد شهادات سكان من مناطق مختلفة في القطاع أن الحصول على ولاعة أصبح مهمة شاقة، ما يدفع بعضهم إلى انتظار نار مشتعلة لدى الجيران، أو البحث عن وسائل بديلة لإشعال الحطب والغاز.

مهنة ولدت من الأزمة

في منطقة السرايا وسط مدينة غزة، يجلس صدام أبو طعيمة، البالغ 33 عاماً، محاطاً بولاعات تالفة وقطع صغيرة انتزعها من بعضها لإصلاح البعض الآخر.

كان صدام يعمل في مجال البناء قبل الحرب، لكنه وجد نفسه بلا عمل، فاتجه إلى إصلاح الولاعات لتوفير دخل يعيل به أسرته المكونة من خمسة أفراد.

يقول: “يأتيني الناس من كل مكان، ويطلبون قداحة لإشعال الغاز. لا يملكون قداحات، ولا يملكون المال لشراء قداحة يبلغ سعرها 70 شيكلا”.

يصلح صدام يومياً ما بين 40 و50 ولاعة، مقابل أجر يتراوح بين شيكلين وأربعة شواكل، وفق حالة كل واحدة. ورغم عدد الولاعات التي تمر بين يديه، لا يتجاوز دخله اليومي 30 أو 40 شيكلا.

ويعتمد في عمله على شراء ولاعات تالفة بنحو 30 شيكلا، ثم تفكيكها واستخراج حجر الإشعال وغيرهما من القطع، قبل إعادة تركيبها في ولاعات أخرى.

من دولار إلى 44 دولاراً

ارتفع سعر الولاعة الجديدة الصغيرة إلى نحو 70 شيكلا، أي قرابة 23 دولاراً، فيما بلغ سعر الكبيرة نحو 130 شيكلا، بما يعادل قرابة 44 دولاراً، بعدما كانت تباع قبل الحرب بما لا يتجاوز دولاراً واحداً.

ولا تستخدم الولاعات لإشعال الغاز فقط، بل أصبحت ضرورية لإشعال الحطب والنيران، في ظل صعوبة الحصول على مصادر الطاقة وارتفاع تكاليفها.

ويعيش صدام بدوره داخل خيمة بعدما دمر منزله في بيت حانون واضطر إلى النزوح. وإلى جانب أسرته، يعيل أطفال شقيقه الذين فقدوا والدهم، ما يجعل مهنته الجديدة وسيلته الوحيدة لمواجهة الاحتياجات اليومية.

وتكشف الأزمة جانباً من تأثير القيود الإسرائيلية على دخول السلع إلى غزة. ولا تعلق السلطات الإسرائيلية عادة على منع إدخال الولاعات تحديداً، لكنها تقول إن السلع المصنفة ضمن قائمة “الاستخدام المزدوج” تخضع لقيود مشددة.

وكانت مؤسسات إغاثية قد وزعت مطلع الصيف عدداً من الولاعات على نازحين في مخيمات وسط القطاع، لكن البرنامج لم يستمر، وفق سكان.

بين خيمة وسوق وورشة إصلاح صغيرة، تختزل الولاعة معركة الحياة اليومية في غزة؛ أم تنتظر نار جارتها لتطعم أطفالها، ومسنة تفتح خيمتها لمن يبحث عن قبس، وعامل يجمع أجزاء الولاعات التالفة. هكذا أصبحت أداة لا يلتفت إليها أحد في الظروف الطبيعية رمزاً لصعوبة تأمين أبسط مقومات البقاء.



Exit mobile version