مصرف المنيا من التلوث الي قاطرة التنمية – الأسبوع

مصرف المنيا من التلوث الي قاطرة التنمية – الأسبوع


جمال رشدي

جمال رشدي

في قلب محافظة المنيا، يبرز شريان مائي يُعرف باسم “مصرف المحيط”، وهو المصرف الرئيسي الذي ينبع من أقصى الجنوب امتداداً من حدود ديروط بأسيوط، ليدخل المنيا عبر مركز ديرمواس ويقطع مراكز المحافظة (ديرمواس، وملوي، وأبو قرقاص، والمنيا، وسملوط) بطول يناهز 80 كيلومتراً، وصولاً إلى مصبه النهائي في نهر النيل عند قرية إطسا المحطة. ويبلغ متوسط عرض المصرف نحو 25 متراً بعمق يتراوح عدد من الأمتار، يتحمل خلالها يومياً مئات الآلاف من الأمتار المكعبة من مياه الصرف الزراعي والصناعي ومخلفات مصانع السكر وتجفيف البصل، إلى جانب الصرف الصحي غير المكتمل المعالجة والنفايات الصلبة، مما جعله بؤرة للتلوث البيئي والصحي، ولكنه يمثل في الوقت ذاته كنزاً هائلاً من الموارد المائية والطاقية الهادرة.

تتفاقم خطورة هذا الوضع بالنظر إلى الآثار البيئية والصحية الكارثية الناتجة عن تدفق مياه المصرف مباشرة إلى نهر النيل، إذ تتسبب الملوثات الكيميائية والمعادن الثقيلة كـ الرصاص والزنك، إلى جانب البكتيريا والفيروسات، في ارتفاع معدلات الإصابة بالفشل الكلوي والتهاب الكبد الوبائي بين سكان القرى المحيطة. وعلى مستوى مياه الشرب، يؤدي هذا القذف المستمر إلى إجهاد محطات التنقية وزيادة تكلفة المعالجة الكيميائية وتسرب السموم للمياه الجوفية. كما يمتد الخطر إلى الثروة السمكية عبر ظاهرة الانخفاض الحاد في الأكسجين الذائب (Eutrophication)، مما يتسبب في هلاك الأسماك وتراكم المعادن الثقيلة في أنسجتها لتتحول إلى سموم غذائية تنتقل إلى أطباق المواطنين.

تعتمد الرؤية التنموية الشاملة لإنهاء هذه الأزمة على تحويل التحدي إلى ثروة عبر نقل مياه المصرف -بعد معالجتها ثلاثياً أو ثنائياً متقدماً- نحو الظهير الصحراوي الغربي لزراعة غابات شجرية ذات قيمة اقتصادية عالية لإنتاج خشب الموجانو والكايا والحور والكافور، وهي أنواع تستوردها مصر سنوياً بمليارات الدولارات لدعم صناعة الأثاث، مما يوفر النقد الأجنبي ويكفل إيجاد منتج وطني بديل. وبالتوازي مع ذلك، تأتي الخطوة الهندسية الجريئة لتغطية وتسطيح المجرى المائي عبر أساليب إنشائية حديثة، ليتحول هذا الشريط الطويل المتخلل للمراكز إلى أراضٍ استثمارية جاهزة للبنية التحتية، يُمكن طرحها للإيجار أو التمليك لإقامة مدارس نموذجية، ومستشفيات، ومجمعات ورش، وملاعب رياضية، ومناطق سكنية وخدمية تخلق تدفقات مالية مستدامة للمحافظة.

تكتمل هذه المنظومة الهندسية بطرح حديث يتضمن تركيب خلايا الطاقة الشمسية (Solar Canopies) على طول جسم المصرف والمساحات الممتدة فوقه بعد التغطية. تتيح هذه التكنولوجيا توليد مئات الميجاوات من الطاقة النظيفة باستغلال المساحة الطولية للمجرى دون استهلاك أراضٍ زراعية جديدة، مما يضمن تشغيل كافة المشروعات الخدمية والاستثمارية المقامة على جسم المصرف ذاتياً بالكهرباء. يوفر هذا الدمج مبالغ ضخمة كانت تُنفق على الطاقة المتولدة من المحطات التقليدية، ويُحقق للمحافظة استقلالية كبرى في إدارة مواردها من الطاقة، مع توجيه الفائض لدعم الشبكة القومية أو تشغيل المصانع المجاورة.

تتكامل هذه الخطوات مع استغلال الحمأة (Sludge) والمخلفات العضوية الكثيفة المترسبة داخل المصرف لعقود، وحقنها في وحدات الهضم اللاهوائي (Anaerobic Digestion) لإنتاج الغاز الحيوي وتنقيته ليصبح غازاً طبيعياً مضغوطاً (Bio-CNG)، فضلاً عن إنتاج أسمدة عضوية عالية الجودة (الكومبوست) كناتج ثانوي يخدم أراضي الاستصلاح الجديد.إن دمج تحويل المخلفات إلى طاقة مع توليد الطاقة الشمسية فوق جسم المصرف، والتوسع في الغابات الشجرية وإعادة استغلال الأراضي المكتسبة، يمثل نموذجاً مثالياً للاقتصاد الدائري الذي يحول أحد أكبر مصادر التلوث في الصعيد إلى شريان حياة واستثمار يوفر آلاف فرص العمل ويغير وجه الحياة بالكامل في محافظة المنيا.

Exit mobile version