مقالات

تخاريف عاصم عبد الماجد.. محاولة يائسة لاستدعاء إرهابي من قبور النسيان – الأسبوع


عندما عاد الإرهابي الهارب عاصم عبد الماجد إلى الظهور مجددًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدا واضحًا أن أصحاب قرار “إعادة توظيفه” لم يدركوا أن عقله، الذي أكل الدهر عليه وشرب، لم يعد قادرًا على تحمّل أجهزة “الإعاشة الجديدة”، وأن محاولات غسيل سمعة الإرهاب الدموي لا يمكن أن تخلو من تخاريف مفضوحة. والأخطر أن تسجيلاته المصوّرة ومنشوراته المتلاحقة، رغم ما يبدو عليها من محاولات تنقيح وإعادة صياغة، لا تكشف فقط حجم الارتباك الذي يعيشه، بل تشير بوضوح إلى الأصابع الخفية التي تحرّك قاتلًا أثقلته الشيخوخة.

ظهر الإرهابي عاصم عبد الماجد في عدد من الفيديوهات المسجلة والمُعدَّلة، في محاولة لتوظيفه في التعليق على الأحداث التي يشهدها الشرق الأوسط منذ بداية مارس 2026، وخصص عددًا من تسجيلاته لمحاولة غسيل سمعته عبر ارتداء عباءة “المجاهد” الداعي إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، مهاجمًا بكل قوة السلفية الدعوية في مصر دفاعًا عن ثوابت مزعومة. وبين الحين والآخر، يعود للحديث عن ذكرياته ومذكراته، التي أعاد نشر حلقاتها خلال العام 2025، أو بالأحرى سِجل جرائمه وجرائم شركائه من “القيادات التاريخية” في تنظيم “الجماعة الإسلامية”، غير مدرك أن هذه المذكرات المزعومة لا تكشف إلا عن ذاكرة مهترئة وحكايات متضاربة تفضح أكاذيبه وتكشف تناقضاته الفادحة، وتضرب أي محاولة لاستدعائه من قبور النسيان وتوظيفه في مهام جديدة.

في الخامس والعشرين من نوفمبر 2025، نشر الإرهابي عاصم عبد الماجد الحلقة رقم 107 من مذكراته، وامتطى خياله وهو يحاول غسيل سمعة قيادات التنظيم الذين شاركوه في جرائم اغتيال رجال الشرطة يوم الثامن من أكتوبر 1981، كما حاول رسم صورة مزيفة لما قال إنه تعاطف قديم مزعوم من بعض الأطباء معه ومع آخرين من الإرهابيين القتلة.

وفي هذا السياق، حاول عبد الماجد غسيل سمعة شريكه في الجرائم عصام دربالة، زاعمًا أنه وجده على السرير المجاور له بالمستشفى، وأن إصابته البالغة جاءت نتيجة تأخره في إلقاء قنبلته على رجال الشرطة بعد نزع فتيلها، لأنه فوجئ – بحسب روايته – بمرور بعض الناس بالقرب من القوات، فحاول تفاديهم، فانفجرت القنبلة في يده، لتطيح بكفه اليمنى وتخترق شظاياها شقه الأيمن بطوله.

والمدهش أن الإرهابي عاصم عبد الماجد يحاول الإيحاء بأن عصام دربالة تأخر في إلقاء القنبلة حرصًا على سلامة المارة من المواطنين. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يصدق عاقل أن “الناس” كانوا يمرون بالقرب من القوات بعد بدء الهجوم على رجال الشرطة والمواطنين وسماع أصوات الرصاص التي دوّت في أرجاء مدينة أسيوط وسمعها القريب والبعيد؟ وكيف كان يمكن للمدنيين الاقتراب من مواقع الاشتباكات في وقت كانت فيه قوات الجيش والشرطة قد أغلقت بالفعل جميع الطرق المؤدية إلى أقسام ومراكز ونقاط الشرطة والتمركزات الأمنية والمواقع التي شهدت الهجمات الإرهابية داخل المدينة، فيما كانت الدماء تغرق الشوارع في عدة مواقع منذ الساعات الأولى من صباح ذلك اليوم الدامي؟

ويبدو أن ذاكرة الإرهابي عاصم عبد الماجد لم تسعفه في استدعاء شهادات شركائه في جرائم ذلك اليوم، الذين اتفقوا جميعًا على أن عصام دربالة، نزع فتيل القنبلة فانفجرت في يده بعد ثوانٍ معدودة، قبل أن يتمكن من إلقائها على رجال الشرطة.

ولا يتوقف عبد الماجد عند هذا الحد، بل يزعم أن أحد الأطباء كان شديد التعاطف معه، حتى إن عينيه اغرورقتا بالدموع وهو يراه محاطًا بالحراسات، مدعيًا أن أطباء أسيوط كانوا يرحبون بتقديم الرعاية الطبية التي كان يفترض أن تقوم بها الممرضات، لما يعلمونه – بحسب زعمه – من تحرج أعضاء الجماعة من ملامسة الممرضات لهم.

ويبرر عبد الماجد هذا التعاطف المزعوم بأن أطباء أسيوط كانوا متأثرين بالدعوة آنذاك، وبمدى تواضعهم وحبهم لما وصفه بـ”الشباب الملتزم”، في محاولة مكشوفة لإضفاء هالة من التعاطف الشعبي على جماعة إرهابية لم يعرف عنها المصريون إلا الدم والعنف.

وفي فقرة أخرى، يزعم الإرهابي المتهالك أن طبيبًا اقترب منه ودس له بين الأغطية مشرطًا جراحيًا صغيرًا، وهمس له بأنه تركه ليستخدمه في قطع شرايين يده، رحمة به مما قد يتعرض له لاحقًا. ولم يكتفِ بهذا، بل يدعي أن الطبيب نفسه دس مشرطًا آخر لعصام دربالة للغرض ذاته.

وينسى عبد الماجد أن أعضاء جماعته قالوا في حكاياتهم: إن القيود الحديدية كانت تجعل الواحد منهم ملتصقًا بالسرير المعدني، بحيث لم يكن قادرًا على تحريك أصابعه يمينًا أو يسارًا، كما يتجاهل أن عصام دربالة كان في حالة غيبوبة شبه تامة لعدة أيام، ولم يستعد وعيه إلا ليكتشف أن كف يده قد بُترت، فيما كانت يده الأخرى مثبتة في السرير بقيود حديدية.

في أكثر من حلقة من هذه المذكرات، يحاول الإرهابي عاصم عبد الماجد غسيل سمعته وسمعة الإرهابيين من أعضاء وقيادات تنظيم “الجماعة الإسلامية”، واستدعاءهم من قبور النسيان عبر أكاذيب وتخاريف مكشوفة، متناسيًا أنه فشل في تنفيذ مخططه لصناعة ظهير شعبي داعم لجماعة “الإخوان” وحلفائها قبل ثورة الثلاثين من يونيو 2013، ولم يجد مفرًا بعد سقوط حكم الجماعة الإرهابية سوى الهروب من مصر.

واللافت أن إعادة تدوير القاتل عاصم عبد الماجد لا تبدو منفصلة عن محاولات أوسع لإحياء عناصر إرهابية سقط مشروعها بعد 30 يونيو. فاستدعاء الرموز القديمة، وفتح قنوات تواصل بينها وبين أعضاء تنظيم “الجماعة الإسلامية” وتنظيمات أخرى، حتى وهي فاقدة للتماسك، لا يعكس سوى عجز كامل عن إنتاج خطاب جديد، واللجوء إلى أرشيف فقد صلاحيته سياسيًا وشعبيًا.

إن محاولات استدعاء الإرهابي عاصم عبد الماجد من قبور النسيان، وإعادة توظيفه لأغراض مكشوفة، مصيرها الفشل المحتوم. فهي لا تذكرنا إلا بهتافات جماعة “الإخوان” التي كانت تتردد في مؤتمرات دعم الإرهاب عقب أحداث يناير 2011: “قُول يا عاصم قُول وارعب الفلول”. ولعل من يراسله اليوم، خاصة منذ مطلع يناير 2026، مرددًا بين الحين والآخر “بوركت يا شيخ عاصم”، يتوهم أن بمقدوره بعث ماضٍ انتهى، أو إحياء خطاب لفظه الواقع.

لكن الحقيقة التي لا تقبل الجدل أن المصريين أغلقوا هذه الصفحة إلى غير رجعة، ولا جدوى من استدعاء إرهابي من ظلام النسيان، أو محاولة إحياء تنظيم متصدع، فالتاريخ قال كلمته، وما لفظه المصريون إلى هامش الذاكرة لن تعيده منشورات مرتبكة ولا تسجيلات منزوعة المصداقية.

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts