شهران بالتمام والكمال يلوحان في أفق انتظار شهر رمضان المبارك، ستون يومًا يحبس خلالها الجمهور أنفاسه في حالة ترقب للموسم الدرامي الأشهر في بلدنا.
وبعيدًا عن الطقوس الروحانية والشعائر الأهم في الشهر الفضيل، يقضي الناس فسحة من الوقت أمام الشاشات في البيوت، وعلى المقاهي والكافيهات، لالتهام ما لذ وطاب من “قطائف الدراما”، حتى يبدو المشهد الدرامي أشبه بـ”ساعة رملية” تتدفق خلالها حبات الضوء والظلال، بين ظهور واختفاء، غياب وحضور، كلا النقيضين يمارسه الفنان بمنتهى الفلسفة “الوجودية”، فليس كل الحضور حضورًا، ولا كل الغياب غيابًا، وحين تستيقظ الذاكرة الجماعية للفن: تكتمل جدلية الحضور والغياب.
في الشهر الكريم، تعود الدراما المصرية كأكبر “سوق” للقصص، كصندوق أسود للوجدان الجمعي، كموسم “شهرزاد الحكايات”، على خشبة مسرحه تتقاطع اختيارات “نجماتنا” من الجنس الناعم: منهن من اختارت العودة بعد سنوات من الإنصات لمشاعرها الداخلية، ومنهن من تغيب بعد ظهور طويل، حتى تعيد تشكيل ذاتها بعيدًا عن صخب السوق.
وفي هذا المشهد المزدحم بالإشارات والتحولات، تتقاطع مسارات ثلاثة أجيال من أشهر النجمات: يسرا، ثم هند صبري، وأخواتها، وأخيرًا سلمى أبو ضيف، وهناك أسماء ضخمة اختارت أن تتوارى قليلاً لالتقاط الأنفاس، سكتت عن الكلام المباح، حتى تستعيد قدرتها على الحكي، لاحقاً.
نبدأ السلسلة من “أكبر لؤلؤة” فيها، يسرا، النجمة التي لا تخضع لزمن المنافسة، كان آخر ظهور رمضاني لها منذ “3” مواسم، بمسلسل “1000 حمد لله ع السلامة”، يهتف لها الجمهور حاليًا بنفس جملة الترحيب، فالجمهور اشتاق لصوتها، حضورها، وكاريزمتها الخاصة التي تشبه الدفء في ليلة شتاء باردة.
يسرا حين تغيب تُفتقد، وحين تعود تُستعاد ذاكرة الدراما، وكيف لمثل يسرا أن يرتضي الغياب، وهي الحاضرة، وحدها، دون كل نجمات جيلها، هي آخر “الرموز الحية” لجيل حافظ على نجوميته قرابة “3” عقود، جيل تراكمت فيه البطولات والنجاحات بعيداً عن “ضجيج التريندات”، بالخبرة والمكانة الفنية والصبر الطويل، والمشوار “العميق” في وجدان الجماهير، ليترقب الكل عودة يسرا في دور “أنضج”، و”أذكى”، و”أكثر أصالة” من كل الإصدارات التجارية السريعة لصناع المحتوى.
موسم رمضان فتح شهية عدد من نجمات جيل الوسط للعودة، ذلك الجيل الذي يقف بين “اكتمال الماضي”، و”توتر الحاضر”، الجيل الأكثر تعقيدًا بحكم سيره في “منتصف الجسر”، فلم يعد ينتمي لجيل الكبار، ولم ينصهر في الجيل “الرقمي” اللاهث، وتمثله التونسية هند صبري التي قررت العودة بعد غياب رمضاني قدره “5” سنوات، منذ مسلسلها “هجمة مرتدة”، “هند” المثقفة الناضجة ذات الاختيارات المحسوبة، التي يرى الجمهور اسمها في مقدمة أي عمل فني، فيرتفع سقف طموحات الفرجة، تعود بمسلسل كتبه الفنان عباس أبو الحسن، بعنوان “مناعة”.
ومن بنات جيلها، تعود أيضًا مي عز الدين، في بطولة من إخراج مرقس عادل، بعد سلسلة من إخفاقات “البطولات المطلقة”، ولكن مع بصمة مميزة في آخر عملين رمضانيين ببطولة جماعية (جزيرة غمام، وقلبي ومفتاحه).
وتحتمي “مي” بقاعدة جماهيرية ما زالت تنتظر إطلالتها الراقية، التي جعلت من خبر عودتها “حدثاً” في عالم الدراما، خاصة وأنها أحدث عروس بالوسط الفني، ما يلمح بـ”عودة امرأة في مرحلة تحوّل”، عقب فتح باب جديد في حياتها كان مغلقاً لسنوات طوال.
منة شلبي، ذات الموهبة المتفردة، تغرد، كعادتها، خارج السرب، وبعد غياب “3” سنوات عن موسم رمضان، تعود بمسلسل عن معاناة غزة من منظور رومانسي، بعنوان “الحب والحرب”، ليؤكد على أهمية الحب كمبرر حقيقي للبقاء، “منة” أكثر بنات جيل الوسط نضجًا وحكمة وظهورًا لافتًا، تغيب بقدر محسوب، لتعود أكثر توهجًا.
أما التونسية درة، فمازالت تتأرجح في مواسم الدراما كـ”حبيبة البطل”، دون بطولة حقيقية، اللهم إلا مسلسلات الأوف سيزون، وما زال صناع دراما رمضان يرونها وجهاً جميلاً في المسلسلات الشعبية، وأحدثها “علي كلاي” مع أحمد العوضي.
نأتي لنجمة من العيار الثقيل حنان مطاوع، تلك الموهبة المتفجرة التي لم تأخذ حقها كاملاً، تعود بمسلسل “حياة أو موت”، بعد آخر ظهور رمضاني في 2023، من خلال “سره الباتع”، وهي إضافة حقيقية لموسم رمضان.
ومن نجمات جيل الوسط، تحاول مي كساب مزج الكوميديا بالتراجيديا في مسلسلها الجديد “نون النسوة”، بعد سلسلة بطولات جماعية، آخرها “العتاولة”، وسلسلة أجزاء “اللعبة”، فيما اقتنصت السورية جومانا مراد أول بطولة مطلقة لها في مسلسل “خلايا رمادية” للمخرج سعد هنداوي، وتغوص خلال أحداثه في أعماق النفس البشرية المعقدة.
وبعد نجاحها في “أعلى نسبة مشاهدة” عام 2024″، تعود سلمى أبو ضيف، بمسلسل من إخراج عمرو موسى، وهي نجمة من الجيل الجديد الذي يرسخ وجوده بهدوء، ذات إطلالة قوية، موهبة تختار شخصياتها بذكاء وتعيش مع جمهورها في نفس العالم الرقمي، دون مشروع فني واضح، لكنها تعتمد على المغامرة والتجريب، ككل بنات جيلها، الباحث عن الحرية والتنقل بين المنصات، لضمان الوصول للتيار الشبابي من جمهور السوشيال ميديا المتوغل في عقول صناع الدراما.
ثمة غيابات موازية يحسبها البعض نوعًا من الحضور، أبرزها عروس أخرى من جيل الوسط، أمينة خليل، عقب نجاح مسلسلها الرمضاني الأخير “لام شمسية”، لتركيزها على “3” مشاريع سينمائية، على حد وصفها.
أما حديث الساعة، “الست”، منى زكي، فقد قررت مواصلة الغياب الرمضاني بعد آخر مسلسلاتها الناجحة “تحت الوصاية” عام 2023، وبدون مقدمات، اختارت دنيا سمير غانم أن تتوارى هذا الموسم، بعد نجاحها في الموسم الماضي بمسلسلها “عايشة الدور”، وقبله “جت سليمة”.
وبرغم توقعات عودتها، وتأرجح أخبارها بين البحث عن النضج، وإثارة الجدل، يبقى موقف ياسمين صبري غامضًا يميل للخفوت، بعد نجاح نسبي لمسلسلها الرمضاني الأخير “ضل حيطة”.
وبين امتلاء المشهد بولائم رمضان، وبين التفاوض مع السوق، والتكيف مع المنصات، تهتز طاولة اللعبة، وتنكشف اختبارات الحضور والغياب، وتظل الدراما “بروفة جنرال”، لاكتشاف “طاقة الغياب”، و”مسافة العودة”، باعتبار أن الفن دورة حياة أبدية، لا نهاية لعودة، ولا اكتمال لغياب، مرايا يتجاور فيها الضدّان، تتداخل فيها سرعات الأجيال، لتكتمل الصورة، أما عن الجمهور فلا ينتظر وجوهًا يحبها، بل ينتظر أحداثًا تدهشه، عمقًا يغوص فيه برؤى إخراجية جديدة، تعيد تعريف دراما رمضان، فالفن الحقيقي لا يقاس بعدد المسلسلات، وإنما بكمية الروح التي تُستنزف بين الخفوت والوهج، والعودة ليست دائمًا انتصارًا، بينما الغياب ليس دائمًا خسارة، وتنهال الأسئلة في عقولنا عن الموسم المنتظر: هل تعود كل نجمة لتتجاوز آخر عمل قدمته؟ أم لتصحح “ارتعاشة فشل”؟ هل تغيب بقرارها كفعل إرادي تجنبًا للوقوع في فخ التكرار؟ أم هروب اضطراري غلافه “مشروع سينمائي”؟ أم أن ضغوطًا خفية أزاحتها عنوة من حلبة الصراع؟
اقرأ أيضاًإطلالة قصيرة بعد غياب عامين.. يسرا تعود من جديد لدراما رمضان 2026
رمضان 2026.. لماذا اعتذر رامي إمام عن مسلسل يسرا في رمضان «حرم السفير»؟









