مصر.. والتوسع في “اقتصاد الخدمات”

مصر.. والتوسع في “اقتصاد الخدمات”

يعني مصطلح “اقتصاد الخدمات” ذلك التحول في هيكل الاقتصاد من الاعتماد الأساسي على الصناعة والزراعة (إنتاج السلع المادية) إلى الاعتماد على الأنشطة غير الملموسة التي تقدم قيمة مضافة للمستهلكين والشركات، أي أنه – ببساطة- الاقتصاد الذي يركز على “ما يفعله الناس لبعضهم البعض” بدلاً من “ما يصنعه الناس”.

ويعتمد هذا النوع من الاقتصاد على قطاع الخدمات (القطاع الثالث)، ويشمل طيفًا واسعًا من الأنشطة مثل: الخدمات المهنية والتقنية (البرمجيات، الاستشارات القانونية، الهندسة، والبحث والتطوير)- الخدمات المالية (البنوك، التأمين، وإدارة الأصول)- السياحة والنقل (الفنادق، الطيران، والخدمات اللوجستية)- الخدمات الرقمية (التجارة الإلكترونية، البث الرقمي، والحوسبة السحابية).

وقد شهدت تجارة الخدمات نموًا متسارعًا يفوق نمو تجارة السلع في السنوات الأخيرة، خاصًة مع التحول الرقمي، فوفقًا لتقارير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد”، ومنظمة التجارة العالمية لعامي (2024م – 2025م) تمثل “الخدمات” حاليًا حوالي (27%- 30%) من إجمالي التجارة العالمية (صادرات وواردات)، فيما بلغت القيمة المالية لتجارة الخدمات العالمية حوالي 8.8 تريليون دولار في عام 2024م، والقيمة في تزايد مع نهاية عام 2025م ربما لتتعدي حيز الـتسع تريليونات دولار.

أما من زاوية المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي، فنجد أنه على الصعيد الداخلي للدول يساهم قطاع الخدمات بأكثر من (65%) من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتصل هذه النسبة إلى أكثر من (75%) في الاقتصادات المتقدمة مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وتأسيسًا على ما سبق، نلحظ أهمية “اقتصاد الخدمات” الكبرى للاقتصاد المصري إذ يُعد المحرك الرئيسي للاقتصاد المصري المعاصر، حيث يساهم بأكثر من (50%) من الناتج المحلي الإجمالي، ويمثل ركيزة أساسية في توفير فرص العمل وجلب العملة الصعبة.

وتكمن أهمية هذا القطاع في كونه صمام أمان للاقتصاد المصري لأسباب استراتيجية، وهي: المساهمة في الناتج المحلي.. إذ يمثل القطاع الخدمي (تجارة، نقل، اتصالات، سياحة، ومال) الوزن الأكبر في هيكل الاقتصاد المصري – توفير فرص العمل.. حيث يستوعب قطاع الخدمات حوالي (51%) من قوة العمل في مصر، مما يجعله المشغل الأول للشباب – فائض الميزان التجاري الخدمي.. حيث حققت مصر فائضًا في ميزان الخدمات بلغ نحو 14.4 مليار دولار في العام المالي (2023م/2024م)، وهو ما يساعد في تغطية العجز في الميزان التجاري السلعي- التحول الرقمي.. إذ أن الخدمات هي القائد لعملية الرقمنة التي تزيد من كفاءة الدولة وتقلل الفساد الإداري.

ويمكننا رصد إنجازات مصر في قطاع الخدمات (2020م- 2025م) فيما يلي:

* أولًا.. قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات:

– أصبحت مصر واحدة من أفضل 25 وجهة عالمية لتقديم خدمات التعهيد وتصدير البرمجيات، ووصلت إيرادات هذا القطاع إلى نحو 6.5 مليار دولار في عام 2023م.

– منصة مصر الرقمية: تقديم أكثر من 170 خدمة حكومية إلكترونيًا (تموين، توثيق، مرور)، مما أحدث ثورة في مفهوم الخدمات العامة.

– بُناة مصر الرقمية: مبادرة لمنح الماجستير المهني بالتعاون مع جامعات عالمية لتأهيل الكوادر في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

* ثانيًا.. قطاع النقل والخدمات اللوجستية:

– قناة السويس: تطوير القناة وتحويل منطقتها إلى “مركز لوجستي عالمي”، مع تحقيق إيرادات قياسية ساهمت في دعم النقد الأجنبي.

– تطوير السكك الحديدية والموانئ: التعاقد على أضخم صفقات عربات القطارات في تاريخ مصر وتطوير الموانئ البحرية (مثل ميناء الإسكندرية الكبير، وميناء السخنة) لتعزيز خدمات الشحن والتفريغ

* ثالثًا.. قطاع السياحة والطيران:

– تحطيم الأرقام القياسية: في عام 2024م، ساهم قطاع السياحة بنحو 1.4 تريليون جنيه في الناتج المحلي، وتجاوز إنفاق السائحين الدوليين المستويات ما قبل جائحة “كورونا” بنسبة (36%).

– المشروعات الكبرى: افتتاح المتحف المصري الكبير، وتطوير مسار آل البيت، وإحياء القاهرة التاريخية، مما عزز من “خدمات السياحة الثقافية”.

* رابعًا.. الخدمات المالية والشمول المالي:

– التحول النقدي: زيادة كبيرة في عدد المواطنين الذين يمتلكون حسابات بنكية ومحافظ إلكترونية، وتوسيع خدمات “مصر الرقمية” لتشمل الاستعلام الإئتماني وتوثيق العقارات إلكترونيًا.

وأخيرًا.. ندعو إلى التوسع أكثر وأكثر في “اقتصاد الخدمات” من أجل تقوية اقتصادنا في المرحلة القادمة. حمى الله مصر ورفع قدرها.

(*) رائد أعمال، ومستثمر.

Exit mobile version