ليست الساعات الأخيرة في حياة السيد المسيح مجرد سردٍ لآلام جسدية، ولا فصلًا مأساويًا في تاريخ النبوة، بل لحظة انكشافٍ أخلاقي كامل للعالم. في تلك الساعات، حين ضاقت الأرض بالكلمة، واتسعت السلطة للقسوة، تعرّى جوهر الصراع بين الحق والقرية الظالمة، بين الإنسان حين يكون ضميرًا، والمدينة حين تتحول إلى سوقٍ للدم والصفقات.
في الليلة التي سبقت الصلب، لم يكن المسيح وحيدًا لأنه بلا أنصار، بل لأنه كان سابقًا لعصره، يواجه منظومة لا تحتمل النور. كانت أورشليم – لا كمكان، بل كنموذج – قد قررت أن السلام خطر، وأن الكلمة الحرة تهديد، وأن العدالة ترف لا تحتمله الحسابات. هكذا بدأت الساعات الأخيرة: بمحاكمة بلا عدل، وشهادة زور، وتواطؤ صريح بين سلطة تخشى الحقيقة، ودينٍ مُفرغ من روحه، ومالٍ سياسي يشتري الصمت.
لم يدافع المسيح عن نفسه، لا عجزًا ولا استسلامًا، بل ازدراءً لمنطق القوة حين تنفصل عن الرحمة. كان يعلم أن السلطة التي تطلب من الضحية تبرير نجاتها سلطة ساقطة أخلاقيًا، وأن القرية التي تطلب صلب الفكرة قبل صاحبها قرية محكومة بالزوال. في تلك اللحظة، لم يكن الصليب نهاية الرسالة، بل ذروة اكتمالها.
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾.
لم تكن “الكلمة” هنا مجرد نطق، بل موقفًا. والكلمة، حين تولد من الحق، لا تُعدم حتى لو رُفعت على خشبة.
وفي الساعات الأخيرة، حين اجتمع القهر والبرد والخوف، وحين صمت التلاميذ وتكلم الضمير وحده، تجلت الحقيقة الكبرى: أن السلام لا يولد في القصور، بل في المواجهة، ولا يعيش في المدن التي تُدار بالمال السياسي، بل ينجو فقط في قلوبٍ ترفض التواطؤ. قال تعالى على لسان عيسى عليه السلام:
﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾.
سلامٌ يُعلن في وجه الموت، لا سلام البيانات ولا سلام المؤتمرات.
وفي ذروة تلك الساعات، حين ظنّت القرية الظالمة أنها انتصرت، جاءت لحظة الالتباس الكبرى، لحظة كشف الوهم. يقول الله تعالى:
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ۖ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾.
لم يكن “التشبيه” هنا تفصيلًا عقديًا فحسب، بل إدانة أخلاقية كاملة لمنظومةٍ توهّمت أنها أغلقت الملف. فالسلطة، حين تعمى، لا ترى الحقيقة، بل ترى ما تريد أن تراه. ظنّوا أنهم صلبوا الكلمة، فإذا بهم يصلبون صورتهم أمام التاريخ.
وتذكر بعض الكتب الدينية أن ظلامًا خيّم على الأرض في تلك الساعات، كأن الكون نفسه انسحب احتجاجًا، وكأن النور رفض أن يشهد مسرحية العدالة الزائفة. لم يكن الظلام علامة ضعف الرسالة، بل شهادة على فداحة الجريمة، لحظة كونية أعلنت أن ما جرى لم يكن حكمًا، بل فضيحة، وأن القرية التي تطفئ النور لتُكمل جريمتها لا تملك شرعية النهار.
ذلك الظلام لم يكن حدثًا عابرًا في الذاكرة الدينية، بل رمزًا يتكرر كلما قررت السلطة إسكات الحقيقة بالقوة، وكلما تحالف المال مع السياسة والدين المُفرغ من روحه.
وهنا يفرض السؤال نفسه، بلا مواربة ولا مجاملة:
ماذا يحدث اليوم في بلد السيد المسيح؟
كيف يُمنع الاحتفال بميلاده في الأرض التي شهدت خطاه الأولى؟
كيف تُغلق الكنائس، وتُقمع الطقوس، ويُحاصر المؤمنون، بينما يرفع الغرب صوته كل عام بخطابات السلام والمحبة؟
أيُّ سلامٍ هذا الذي يُحتفل به في العواصم البعيدة، ويُمنع في موطنه الأصلي؟
ليست هذه انتهاكات معزولة، بل فضيحة أخلاقية كبرى تكشف ازدواجية المعايير الغربية في أبشع صورها. الغرب الذي يتغنّى بقيم المسيح، ويقدّم نفسه حارسًا للإرث المسيحي، يقف صامتًا – أو متواطئًا – أمام إهانة الميلاد في بلد الميلاد، وأمام تحويل الرسالة إلى جريمة، والطقس إلى تهديد أمني، والمؤمن إلى مشتبه به.
ولا يوجَّه العتاب هنا إلى السياسيين وحدهم، بل إلى كل من يؤمن برسالة المسيح ثم يصمت. إلى الكنائس التي ترفع الصليب في روما وباريس وواشنطن، لكنها تخفض صوتها حين يُكسر الصليب في القدس. إلى المؤمنين الذين يبكون المسيح في النصوص، ويتجاهلونه في الواقع. فالمسيح لا يُصلب مرة واحدة، بل يُصلب كل يوم حين يُطرد السلام من بلاده باسم الأمن، وحين تُختزل العدالة في بيانات دبلوماسية باردة.
وهنا تتجلى “القرية الظالمة” في معناها العميق، كما رآها المفكر والطبيب المصري محمد كامل حسين: ليست قريةً جغرافية، بل حالة أخلاقية تتكرر، حين تتفق الأغلبية على قتل العدل باسم الاستقرار، وحين يصبح الصمت فضيلة، والاعتراض خيانة. أورشليم، في هذا المعنى، ليست استثناءً تاريخيًا، بل نموذجًا أبديًا. وكل قرية تُباع بالمال السياسي، وكل مدينة تُدار بمنطق النفوذ لا الإنسان، هي أورشليم أخرى، مهما تغيّر الاسم وتبدّل الزمان.
الساعات الأخيرة للمسيح تشبه عالمنا اليوم على نحوٍ مخيف: أطفال تحت القصف، بشر تحت الحصار، مجاعات تُدار ببرود الحسابات، شحّ مائي يُستخدم كسلاح، وتصحر نتيجة نهب الموارد، وأوبئة تولد من الفقر وانهيار الدولة. القرية الظالمة لم تختفِ، بل كبرت، وتبدلت أدواتها، وصارت أكثر وقاحة في طلب الصمت باسم الواقعية السياسية.
ومع ذلك، لم تمت الرسالة. فالأفكار التي تولد من المحبة لا تُقتل، والسلام، وإن بدا وحيدًا في الساعات الأخيرة، يخرج من القبر حيًا، ليطارد جلاديه عبر التاريخ. لم ينتصر الصليب بالقوة، بل بالمعنى، ولم يُهزم المسيح، بل هُزمت القرية التي ظنت أن قتل الجسد كفيل بإسكات الكلمة.
في نهاية هذا العام، لسنا بحاجة إلى تهاني رسمية، بل إلى شجاعة الاعتراف: عالمنا لا ينقصه الدين، بل ينقصه العدل، ولا يحتاج مزيدًا من الخطب، بل مزيدًا من الإنسان. وتهنئة صادقة إلى إخوتنا الأقباط، شركاء الوطن، في أرضٍ قال الله عنها:
﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.
الأرض التي احتضنت المسيح طفلًا ستبقى، رغم كل شيء، شاهدًا على أن السلام، مهما صُلِب، لا يموت.
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية
اقرأ أيضاًرئيس أساقفة الكنيسة الأسقفية يدعو لصلاة الاستعداد ضمن طقوس قداس الميلاد بالإسكندرية
دقّ أجراس كاتدرائية مارمرقس بالإسكندرية إيذانًا ببدء قداس عيد الميلاد المجيد بالكنيسة الأنجليكانية







