مقالات

حين صار العزاء عرضًا… والموت بلا خشوع، !! – الأسبوع

لم يعد الموت عندنا حدثًا مهيبًا، ولا الفقد تجربة إنسانية عميقة، بل تحوّل – بهدوء ودون إعلان رسمي – إلى عرضٍ مسرحي موسمي، له جمهوره الدائم، ونجومه المعروفون، وملابسه الموحدة، بل و«ألتراس» حاضر في كل عزاء.كنا ونحن صغار نغنّي ببراءة قاسية: «أبوك السقّا مات… وبيمشي في الجنازات» لم نكن نعلم أن هذه الأغنية كانت نبوءة اجتماعية مبكرة، وأن السقّا سيعود فعلًا، لا ميتًا، بل ندّابة محترفًا، يرتدي الجلباب الصوفي في الشتاء، والعباية السوداء، ويقف في الصفوف الأولى كأنه مُعيَّن بقرار غير معلن من رابطة ألتراس الوفيات.

الندّابة التي كانت تُستأجر بأجرٍ معلوم، تحوّلت اليوم إلى رجال بلا مهمة، يحضرون كل عزاء، لا يعرفون المتوفى، ولا سمعوا باسمه قبل وفاته، لكنهم يعرفون جيدًا موقع الكاميرا، وموضع المقرئ، وتوقيت تقديم المشروبات. نترك المرحوم وحيدًا في مصيره المحتوم، وننشغل نحن بالفرجة:

كم سعر المقرئ؟

من صاحب السرادق؟

من المسؤول الذي حضر؟

كم ترك المتوفى من أولاد وبنات وأطيان؟

ويبدأ «شويش المسرح» – لا شيخ العزاء – في تقديم الفقرة الأساسية: يشرفنا حضور سيادة اللواء فلان، والنائب علّان، بدعوة كريمة من أصحاب الواجب في كل مكان… أصحاب واجب لا يعرفون المتوفى، ولا يعرفهم المتوفى، لكنهم يعرفون بعضهم جيدًا.

أصبح واجب العزاء مهرجان علاقات عامة، تُوزَّع فيه الأحضان، وتُمارَس فيه أعلى درجات النفاق الاجتماعي، بينما يُتلى القرآن كخلفية صوتية لا يسمعها أحد، والمقرئ يقرأ:

«وأشرقت الأرض بنور ربها ووُضع الميزان» ونحن نضحك، ونهزر، ونتبادل المجاملات. بل ونؤجّل الدفن أحيانًا إلى اليوم التالي، كأن الموت ينتظر جدول التصوير، مع أن {النبي صلي الله عليه وسلم } دُفن ليلًا، وكأننا لم نعد نأخذ من الدين إلا ما لا يُزعجنا ولا يعكّر علينا طقوس الفرجة.

أتذكّر زمنًا كانت فيه الشوارع تُفرش بقش الأرز، والكنب الخشبي المصنوع من أشجار الكافور والجزروين، بلا كاميرات، بلا مسارح، بلا نجومية. كان الوداع له معنى، وكان الموت فقدًا حقيقيًا، والحزن شعورًا صامتًا عميقًا في النفوس. نحن ورثة حضارات عظيمة: الفراعنة قدّسوا الموت وبنوا له الأهرامات، لأنهم رأوه بوابة للخلود.الإغريق والرومان ناقشوه فلسفيًا بحثًا عن الحكمة والمعنى.

الإسلام جعله موعظة، وسكونًا، واعتبارًا، وتذكيرًا بأن الإنسان عابر مهما طال مقامه. أما نحن، فلا أخذنا من الفراعنة تقديسهم، ولا من الإغريق حكمتهم، ولا من الإسلام خشوعه.

اخترعنا حضارة جديدة: حضارة موت الفرجة. موت بالكاميرا، وعزاء بالطائرات المسيّرة، ومآتم تُدار كأنها حفلات زفاف، لا لحظات وداع. نستحضر نيتشه وكتابه المثير للجدل «موت الإله»، وكأننا نعيش نسخته الشعبية المشوّهة: لا قداسة في السلوك، ولا معنى في الطقس، ولا حضور حقيقي لله في الفعل، رغم امتلاء الألسنة باسمه.

الخلاصة.. الموت في الإسلام ليس عرضًا، ولا مناسبة اجتماعية، ولا ساحة لتبادل المصالح.الموت موعظة صامتة، ووقفة بين يدي الله، وتذكير قاسٍ بأن كل ما نملكه – سلطة أو مال أو وجاهة – يُترك عند باب القبر.

قال تعالى:

«كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ»

لم يقل: ثم إلى السرادق، ولا إلى الكاميرا، ولا إلى تصفيق الحاضرين. نحتاج أن نرجع إلى الله بالفعل لا بالمظاهر، أن نعيد للعزاء خشوعه، وللموت هيبته، وللقبر صمته. أن نفهم أن الضحك في حضرة الميزان قسوة، وأن المجاملة فوق القبور نفاق، وأن أخطر ما أصابنا ليس الموت… بل اعتيادنا عليه بلا خوف.

كفانا رقصًا في مسارح العزاء.فالمرحوم لا يحتاج جمهورًا، بل دعاءً.ونحن لا نحتاج عرضًا جديدًا، بل صحوة قبل أن يأتي دورنا…ونُحمل إلى المسرح نفسه، بلا أسماء، ولا تقديم، ولا تصفيق.. .، !!

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية،

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts