طارق عبد الحميد
طارق عبد الحميد
أحدث الإفراج الضخم عن قرابة 3 ملايين وثيقة من جانب وزارة العدل الأمريكية مؤخرًا عن ملفات “جيفري إبستين” زلزالاً سياسيًّا في واشنطن طالت شظاياه النخبة السياسية، وعلى رأسهم الرئيس “دونالد ترامب”، فضلاً عن كثير من السياسيين ورجال المال والأعمال كـ “إيلون ماسك”. وبينما تأتي هذه الخطوة تنفيذًا لـ “قانون شفافية ملفات إبستين”، فإن توقيتها ومحتواها يحملان تداعيات معقدة على مستقبل “ترامب” السياسي وصورته العامة.
فعلى الرغم من تأكيدات وزارة العدل أن العديد من الادعاءات الواردة ضد “ترامب”، “غير دقيقة ومثيرة للجدل”، وتفتقر إلى الأدلة الجنائية، فإن مجرد ورود اسمه مئات المرات في مذكرات مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) والمراسلات المتبادلة بين “إبستين” وشركائه يضع الرئيس في موقف دفاعي، إذ تعيد هذه الوثائق تسليط الضوء على علاقة الصداقة القديمة التي جمعت بين الرجلين في التسعينيات، ما يمنح خصومه السياسيين مادةً دسمةً للهجوم، خاصة مع استمرار تداول صور ومحاضر طيران تربطه بـ “إبستين”.
ومن جانبه، تبنى “ترامب” استراتيجية تقوم على مبدأ “الهجوم خير وسيلة للدفاع”، فبدلاً من ممانعة النشر، دفع باتجاه الإفراج عن الوثائق لإظهار أنه “ليس لديه ما يخفيه”، حيث تهدف هذه المناورة إلى: تشتيت الانتباه من خلال تسليط الضوء على أسماء ديمقراطيين بارزين وردت أسماؤهم في الملفات (مثل “بيل كلينتون”)، إضافة إلى مخاطبة القاعدة الشعبية الأمريكية وتصوير الأمر كجزء من “مؤامرة الدولة العميقة” التي حاولتِ استخدام هذه الملفات ضده في انتخابات 2020م.
ومن ناحية أخرى، لم تقتصرِ التداعيات على “ترامب” وحده، بل امتدت لتشمل أعضاء في إدارته، مثل وزير التجارة “هوارد لوتنيك”، الذي كشفتِ الوثائق عن تفاصيل تواصله مع “إبستين”، وهو الأمر الذي وضع البيت الأبيض تحت ضغط هائل من جانب لجان الرقابة في الكونجرس، التي بدأت بالفعل في المطالبة بجلسات استماع علنية وتوضيحات حول “التنقيحات الواسعة” التي أجرتها وزارة العدل على الوثائق قبل نشرها.
ختامًا.. يمثل الإفراج عن وثائق “إبستين جيت” سيفًا ذا حدين لـ “ترامب”، فبينما قد تبرئه قانونًا من أي تهمة جنائية مباشرة، إلا أنها تُبقي شبح “إبستين” يطارده سياسيًّا، وتعمِّق حالة الانقسام الشعبي حول نزاهة النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة، فضلاً عن التداعيات المنتظرة إثر انتخابات الكونجرس النصفية المقرر عقدها في نوفمبر المقبل، والتي قد يفقد بها “ترامب” وحزبه الجمهوري الأغلبية الحالية بالكونجرس في مواجهة الحزب الديمقراطي، وساعتها يمكن للديمقراطيين السعي حثيثًا لعزل “ترامب” من البيت الأبيض.
