مقالات

مراهقون بلا حماية في قبضة منصات التواصل الاجتماعي – الأسبوع

في لحظة سياسية تبدو أقرب إلى الإجماع الأخلاقي العابر للأيديولوجيات، تتسابق الحكومات حول العالم لسنّ تشريعات تمنع المراهقين من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، انطلاقًا من افتراض بات شبه بديهي في الخطاب العام: هذه المنصات تضر بالصحة النفسية للأطفال، ومن ثم فإن حظرهم منها هو الخيار المسؤول الوحيد.

وقد بدأت أستراليا بالفعل في تنفيذ هذا التوجه عبر منع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على منصات كبرى، بينما تدرس دول أخرى من بينها المملكة المتحدة وإسبانيا خطوات مماثلة، وسط دعم شعبي واسع يعكس قلقًا متصاعدًا بشأن جيل نشأ بالكامل تقريبًا داخل الفضاء الرقمي.

غير أن هذا الاندفاع التشريعي، كما لاحظ مقال حديث في The Economist، يكشف مفارقة لافتة: الإجماع السياسي على الحظر يسبق بكثير الإجماع العلمي على حجم الضرر. فحتى الآن، لا توجد أدلة قاطعة على أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يؤدي إلى تدهور منهجي في الصحة النفسية للمراهقين ككل، رغم وجود مؤشرات على أن بعض الأطفال قد يتضررون بالفعل.

المشكلة المنهجية الأعمق أن معظم الدراسات تعتمد على تقارير ذاتية من المستخدمين حول مدة الاستخدام، وهي بطبيعتها غير دقيقة، ما يجعل الربط بين الوقت الذي يقضيه المراهق على المنصة وبين مؤشرات الاكتئاب أو القلق ربطًا إحصائيًا هشًا في أفضل الأحوال.

لكن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح ليس كم من الوقت يقضيه الأطفال على تلك المنصات، بل: ماذا تفعل هذه المنصات بهم خلال هذا الوقت؟ وأي نوع من المحتوى تدفعه الخوارزميات إلى واجهتهم؟ وفي أي سياق نفسي يحدث هذا الدفع؟ وهل تُكافئ خوارزميات التوصية التفاعل الهادئ، أم المحتوى الأكثر إثارة للغضب والقلق لأنه يضمن بقاء المستخدم لفترة أطول؟ تلك أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بدقة لأن الشركات المالكة لهذه المنصات تحتكر البيانات اللازمة للبحث وترفض إتاحتها للمجتمع العلمي.

هنا تحديدًا ينتقل النقاش من الصحة النفسية إلى الاقتصاد السياسي. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت بنية تحتية لاستخراج القيمة الاقتصادية من الانتباه البشري، فكل ثانية يقضيها المستخدم طفلًا كان أو بالغًا تُترجم إلى احتمالات نقر، ثم إلى مزادات إعلانية لحظية، ثم إلى تدفقات ربح.

في هذا السياق، لا تبدو الخوارزمية أداة محايدة لتنظيم المحتوى، بل آلة تحسين مستمرة لتعظيم زمن البقاء على المنصة، حتى لو كان الثمن إعادة هندسة الإدراك ذاته.

ولذلك، فإن الحظر الشامل، رغم جاذبيته الشعبية، يخاطر بمعالجة العرض وترك المرض، فالتجربة الأسترالية تشير إلى أن المراهقين لا يختفون من الفضاء الرقمي بقرار إداري، بل يهاجرون إلى تطبيقات أقل خضوعًا للتنظيم، أو مجتمعات ألعاب، أو منصات مراسلة مشفّرة.

المخاطر لا تختفي إذن، بل تنتقل إلى مناطق ظل رقمية تقل فيها الشفافية وتزداد صعوبة التدخل، بل إن أدوات التحقق من العمر المطروحة كحل تقني قد تفتح الباب أمام طبقات جديدة من جمع البيانات الحساسة من مسح الوجه إلى رفع وثائق الهوية ما يحول حماية الطفل إلى ذريعة لتوسيع اقتصاد المراقبة ذاته الذي يُفترض أنه محل مساءلة.

يصبح هذا الطرح أكثر إلحاحًا عند إسقاطه على واقع الدول النامية، حيث نكون أمام كتلة شبابية ضخمة تعيش داخل الفضاء الرقمي يوميًا، في ظل غياب شبه كامل لسياسات حماية رقمية موجهة للمراهقين، أو مناهج تعليمية جادة للوعي الرقمي، أو تشريعات تُلزم المنصات بالشفافية والمساءلة.

وفي بيئة تقل فيها البدائل الثقافية والترفيهية منخفضة التكلفة، ويتراجع فيها دور المدرسة والمساحات العامة، تتحول المنصة الرقمية من خيار إلى ملاذ شبه وحيد، هنا يبدو الحظر حلًا سهلًا لكنه غير مجدٍ يمنح صانع القرار عنوانًا أخلاقيًا سريعًا، لكنه لا يغير شيئًا في بنية المنصات ولا يمس اقتصاد الانتباه الذي يديرها.

القضية، في جوهرها، لا تتعلق بالسماح للمراهقين باستخدام وسائل التواصل من عدمه، بل بالسؤال الأعمق حول من يملك تصميم هذا الفضاء، ومن يحدد قواعده، ومن يراكم الأرباح الناتجة عن هشاشة الوعي البشري، خصوصًا في مجتمعات تعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية واجتماعية حادة. وكما في ملف الديون، وكما في سياسات التقشف، لا يمكن معالجة الأعراض دون تفكيك البنية المكونة للأزمة.

ما دام نموذج العمل قائمًا على تعظيم التفاعل بوصفه غاية في ذاته حيث يُكافأ الإدمان ويُعاقَب الانصراف ستظل السلامة خاصية ثانوية تُضاف لاحقًا، هذا إن أُضيفت أصلًا.

ومن ثم، فإن الحظر ليس سياسة متكاملة بقدر ما هو اعتراف ضمني بعدم القدرة على مواجهة المشكلة من جذورها.

فبدلًا من إقصاء المستخدم الأضعف، ربما يكون الخيار الأكثر مسؤولية هو إعادة تصميم السوق الأقوى بفرض تصميمات آمنة افتراضيًا، وإتاحة بيانات مُجهّلة للباحثين، ومساءلة الخوارزميات التي تشكل بيئة إدراكية كاملة لجيل لم يُمنح بعد أدوات فهمها أو الدفاع عن نفسه داخلها.

اقرأ أيضاًبين الصفقة والاعتراف بالقوة.. لماذا يطلب ترامب لقاء خامنئي الآن؟

شكرًا محافظ المنيا

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts