يُعد الدكتور مفيد شهاب واحداً من أبرز القامات القانونية والسياسية في تاريخ مصر الحديث، جمع بين صرامة الأكاديمي، ودهاء القانوني الدولي، وحنكة السياسي الذي عاصر فترات مفصلية.
وهذا التقرير يستعرض مسيرته الحافلة، مسلطاً الضوء على «النقاط المضيئة»، التي جعلت منه بطلاً قومياً في فترات، والعثرات، التي وضعت تاريخه تحت مجهر النقد السياسي.
وُلد مفيد محمود شهاب في مدينة الإسكندرية عام 1936، حيث حصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية، ثم شد الرحال إلى فرنسا ليحصل على الدكتوراه من جامعة باريس (السوربون).
وهذا التكوين المزدوج المصري والفرنسي، منح شهاب مرونة في فهم المدارس القانونية المختلفة، مما أهله لاحقاً ليكون «ترزي قوانين» بدرجة خبير، وعالم قانون دولي يُشار إليه بالبنان.
هو أستاذ للقانون الدولي الذي تدرج في المناصب الأكاديمية حتى أصبح رئيساً لجامعة القاهرة.
وكان وزيرا للتعليم العالي حيث تولى الحقيبة الوزارية في التسعينيات، ووزير شؤون مجلسي الشعب الشورى وكان المحرك الأساسي للعملية التشريعية في أواخر عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وهو العبقري القانوني الذي شارك في ملحمة طابا.
ويظل اسم مفيد شهاب محفوراً في الوجدان المصري كعضو بارز في «اللجنة القومية لاسترداد طابا»، في هذه المعركة التي لم تُستخدم فيها الطلقات، بل الوثائق والخرائط، برز ذكاء شهاب في هيئة التحكيم الدولية بجنيف، حيث استطاع الفريق القانوني، الذي كان شهاب ركناً فيه، إثبات حق مصر التاريخي والقانوني في «العلامة 91»، مما أدى لاستعادة السيادة المصرية الكاملة على طابا عام 1989.
وكرس شهاب من خلال هذه التجربة مفهوم «الجهاد القانوني» وأثبت أن الدبلوماسية القانونية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية.
وخلال رئاسته لجامعة القاهرة، شهدت الجامعة استقراراً أكاديمياً ملحوظًا حيث اهتم بتطوير البحث العلمي ومد جسور التواصل مع الجامعات العالمية، مستفيداً من علاقاته القوية في أوروبا.
لعب شهاب أدواراً محورية في صياغة العديد من الاتفاقيات المتعلقة بمياه النيل، والحدود البحرية، وكان دائماً «المرجع» الذي تعود إليه الدولة في القضايا الدولية الشائكة بفضل تخصصه الدقيق في القانون الدولي العام.
في الأيام الأولى لثورة 25 يناير 2011، حاول شهاب تقديم حلول قانونية لامتصاص الغضب الشعبي، لكن سقف المطالب، كان قد تجاوز التعديلات القانونية البسيطة.
و بعد تنحي الرئيس مبارك عن السلطة، آثر الصمت لسنوات، ثم عاد للظهور في المناسبات الأكاديمية والقومية، حيث تم تكريمه في عهد الرئيس السيسي تقديراً لدوره التاريخي في قضية طابا، وهو ما اعتبره البعض «رد اعتبار» لمكانته العلمية بعيداً عن صراعات السياسة.
تقييم تجربة الدكتور مفيد شهاب لا يمكن أن يكون أحادياً، فهو الشخص الذي استرد بقعة غالية من أرض مصر بالمنطق والقانون، وهو نفسه الذي ساهم في صياغة قوانين تخص المجال العام.
ويبقى شهاب نموذجاً للمثقف التكنوقراط الذي وضع علمه في خدمة الدولة بمفهومها الواسع، أحياناً أصاب وأحياناً أخطأ، لكنه يظل رقماً صعباً في تاريخ مصر القانوني.
تُوفي صباح الأحد 15 من فبراير 2026، عن عمر يناهز 90 عامًا، بعد مسيرة طويلة في مجالات القانون والدبلوماسية والتعليم العالي.
المصادر والمراجع:
مفيد شهاب، «القانون الدولي العام»، دار النهضة العربية. (للاطلاع على فكره الأكاديمي).
محاضر جلسات مجلس الشعب المصري (2005-2010). (لتحليل دوره في تعديلات الدستور).
يونان لبيب رزق، “طابا: ملحمة الدبلوماسية المصرية”. (للتفاصيل حول دوره في اللجنة القومية).
تقارير «منظمة هيومن رايتس ووتش» و«المنظمة المصرية لحقوق الإنسان» حول انتخابات 2010.
لقاءات تليفزيونية مسجلة (برنامج «شاهد على العصر» و «البيت بيتك») في فترات مختلفة.
صحيفة الأهرام (أرشيف الفترة من 1985-1989) و (2005-2011).
اقرأ أيضاًشيخ الأزهر ينعى الدكتور مفيد شهاب وزير التعليم العالي الأسبق
رئيس جامعة العاصمة ناعياً مفيد شهاب.. «قامة علمية وطنية ورحيله خسارة فادحة للعلم»
مفيد شهاب: الرئيس السيسي كان واضحًا في مواجهة الدول والمنظمات بشأن تهجير الفلسطينيين.. فيديو
