مقالات

حين انتصر «علي وأمل» على وهم الذكاء الاصطناعي – الأسبوع


في زحمة هذا العصر الرقمي البارد، حيث تحاصرنا الشاشات وتتسلل الخوارزميات لتعد علينا أنفاسنا وتتنبأ بأحلامنا، نقف مشدوهين أمام صنم «الذكاء الاصطناعي» العظيم، آلة جبارة تبتلع مكتبات الأرض في رمشة عين، تنظم الشعر، وتحاكي المشاعر، وتنجز من المهام ما يفوق طاقة البشر، حتى خُيل للبعض أن الإنسان بات كائنا قابلا للاستبدال، وأننا على أعتاب زمن تُعلق فيه الأرواح والقلوب والعقول البشرية على رفوف النسيان لصالح شرائح السيليكون.

لكن وسط هذه السطوة التقنية وهذا الضجيج الآلي، يخرج علينا مشهد يقلب الموازين بعنف، ويعيد للروح البشرية اعتبارها المفقود، طفلان في عمر الندى، “علي وأمل”، بالكاد يخطوان في الصف الأول الابتدائي.

لم يتصدرا المشهد بمهارة تقنية خارقة، بل ظهرا وهما يحملان في قلبيهما الصغيرين ثمانية أجزاء من القرآن الكريم. والأعجب من الحفظ، كان ذلك اليقين الطفولي وهما يصححان أحكام التجويد بوعي، وفطرة، وتلقائية تسلب اللب وتهز الوجدان في ظل ظروف من الواضح انها شديدة البساطة.

حين تشاهد علي وأمل، تدرك على الفور تلك الفجوة السحيقة والمخيفة بين «تخزين البيانات» وبين »تشرب المعنى بروح وارادة»، الذكاء الاصطناعي قادر، بلا شك، على استدعاء النص القرآني كاملاً وتصحيح قواعد النحو والصرف في جزء من الألف من الثانية، لكنه استدعاء أصم، ميت، لا دفء فيه ولا حياة ولا روح، الآلة لا ترتعش أوصالها لرهبة آية، ولا تبتسم شفاهها لحلاوة التلاوة أما الطفلان، فقد كانا ينطقان الحروف وكأنها معجونة بأنفاسهما وأرواحهما، يتلعثمان أحياناً، ويستدركان بطفولة بريئة، تصدر من قلب ينبض وعين تلمع بنور إلهي خفي لا يعرفه الشات جي بي تي ولا جيمناي أبداً.

إن حالة «علي وأمل» ليست مجرد قصة عابرة تصدرت منصات التواصل لتختفي غداً، بل هي وثيقة إثبات إنسانية دامغة ضد تغول الآلة، هي رسالة سماوية تخبرنا أن «النفخة الأولى» التي أودعها الخالق في هذا الطين البشري، تستحيل محاكاتها أو برمجتها.

الطفلان علي وأمل

الذكاء الاصطناعي قد يكون عقلاً اصطناعياً فائقاً، يكتب لك كلمات، ويدير لك أعمالاً، لكنه أعجز من أن يعرف معنى «النية»، أو يذوق حلاوة «الخشوع»، أو يفهم لماذا تدمع عين إنسان عند سماع نداء السماء.

نحن لا نعادي التكنولوجيا، بل نضعها في حجمها الطبيعي: خادم مطيع لا سيد مطاع نستخدمها لتسهيل دروب الحياة المادية، لكننا نوقن يقيناً تاماً أنها لن ترافقنا في رحلتنا الأخيرة، حين نُسأل في القبر، وحين نقف في المحطة النهائية، لن تنطق عنا معالجات الحواسيب، ولن تشفع لنا خوارزميات الذكاء الاصطناعي، بل سينطق ما وقر في القلب وصدقه العمل.

سيبقى «علي وأمل» تذكيراً حياً بأن الإنسان، بضعفه وجهده وإيمانه وروحه، هو مركز هذا الكون. وأن آيات الله حين تُتلى بلسان طفل بشري يخطئ ويصيب، تهتز لها أوتار القلوب، بينما تظل داخل الآلة مجرد أصفار وارقام في عالم من الوهم المبرمج.. خلق الله ينتصر دائما على آلة برمجها إنسان.

اقرأ أيضاًوقفة.. مجلس قيادة العالم العربي والإسلامي ودول العالم الثالث

وقفة.. عيد الشرطة و ثورة يناير «3»

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts