في زمنٍ اختلط فيه الحق بالادعاء حتى ظُن أن الضجيج علم، وأن الصخب فكر، تتكرر على الشاشات وجوهٌ متدثرة برداء “التنوير” و”التجديد”، تمنح نفسها ألقاب “الباحث” و”المفكر” بلا آلة اجتهاد ولا رسوخ، ويجد أصحابها منابر تقدمهم كمرجعيات تستحق الإصغاء.
طال الصمت، لأن الرد على الفراغ قد يمنحه حجماً لا يستحق غير أن الأمر يختلف حين يتحول الاستعراض إلى طعنٍ في الثوابت، ويُسوق العبث باسم “الشجاعة الفكرية” هنا يصبح السكوت تواطؤاً، وتصير الكلمة واجباً لا خياراً، حماية لوعي أمة لا يجوز أن يُختطف بخطاب هزيل.
التجديد في الإسلام لم يكن يوماً هدماً للأصول، ولا نقصاً للثوابت، بل اجتهاداً منضبطاً داخل أسوارها، علماً له شروطه، وأدواته، وضوابطه، ورجاله الذين ورثوا العلم كابراً عن كابر. أما ما يُسوق اليوم فليس تجديداً، بل عبثاً ممنهجاً يستهدف الراسخات، لأن هدم الثابت -كما يعلمون- أسرع طريق إلى الضوء، وأضمن وسيلة لصناعة “الترند” تُسمى الفاحشة “حرية شخصية”، ويُقدم الانحلال بوصفه تطوراً، ويُعاد تعريف القيم وكأنها مواد قابلة لإعادة الصياغة كلما احتاجت الشاشة إلى جرعة إثارة.
يتنقل هؤلاء بين القضايا بجرأة من لا يستشعر تبعة الكلمة: دعوةٌ إلى تقنين الزنا والمساكنة بذريعة مواكبة العصر أو “رضا المجتمع”، وحصرٌ للتحريم في ألفاظٍ قرآنية مجتزأه لإقصاء السنة، وإثارةُ الشبهات حول الخمر وكأنها مسألة ذوقٍ لا حداً من حدود الله. فإن رضي امرؤ لنفسه ولأهل بيته أن يلبس الفاحشة ثوب الحرية، فذلك شأنه يُحاسب عليه بين يدي ربّه، أما أن يُراد تحويل انحداره إلى معيارٍ عام يُفرض على مجتمع، فهنا موطن الاعتراض، من استهان بحدود ربّه وسياج بيته لا يملك أن يسخر من غيرة غيره، ولا أن يصادر كرامة من يصون عرضه.
المسلم الغيور على دينه وشرفه ليس سواءً مع من استهان بهذه الحدود، فهو يرى في العفة حصناً، وفي الشرع صيانة، وفي الغيرة دماُ حياً لا يُباع بترند.ليست القضية اختلاف أذواق، بل اختلاف موازين بين من يجعل النص حاكماً عليه، ومن يتوهم نفسه حاكماً على النص، بين من يصون القيم ومن يسعى إلى تسييلها حتى تفقد معناها.
والأخطر أن الطعن امتد إلى أصل البناء التشريعي. يُقال إن الرسول ﷺ ليس مشرعاً، وإن مهمته مجرد التبليغ دون بيان ملزم! وهذا -والله- مساس بجوهر الإسلام ذاته، وهدم لأصل من أصوله. فالقرآن الكريم لم يقرن طاعة الرسول بطاعة الله عبثاً: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}، وأمر بالأخذ عنه والانتهاء عما نهى عنه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. فكيف يُختزل دور أعظم مبشر ونذير في مجرد ناقل نص، ويُلغى بيانه الذي قامت عليه الشريعة قرونًا؟ إنكار تشريعه ليس اجتهادًا، بل نقضٌ صريح لبنية الدين.
ثم تُستهدف المرجعيات العلمية، فتتعرض رموز الأمة لحملة تشكيكٍ ممنهجة يُرمى الإمام الشافعي بأنه استمد أصوله من التلمود لمجرد أنه وُلد في غزة! دعوى لا يسندها علم ولا تاريخ، بل محاولة مكشوفة لإسقاط المرجعية وزعزعة الثقة بالتراكم المعرفي للأمة الممتد قرونًا. الشافعي الذي نشأ في مكة، وتتلمذ على أئمة الحجاز والعراق، وأرسى قواعد أصول الفقه، يُراد إقصاؤه ليُترك الناس بلا ميزان.
وأيُّ تشكيكٍ هذا في قامةٍ قال فيها الإمام أحمد بن حنبل: “كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس”؟ هو مؤسس علم أصول الفقه في (الرسالة). لم يكن فقيهاً عابراً، بل مدرسةً جمعت بين منهج أهل الحديث وأهل الرأي، فأقامت ميزاناً يضبط الاستنباط ويردّ الفروع إلى أصولها. فمثل هذه القامة لا تُسقطها شبهة، ولا تهزّها دعوى، لأن أثرها في تأسيس المنهج باقٍ ما بقي العلم. إنها محاولة لخلخلة الثقة في هذا البناء، ليبقى الوعي هشاً أمام كل ناعق.
لسنا أمام نقاش علمي، ولا اجتهاد يحتمل الخطأ والصواب. نحن أمام ظاهرة يمكن تسميتها بلا مواربة: خوارج العصر على منهج العلم، الذين يستبيحون الثوابت بألسنتهم، وعبيد الترند الذين يقيسون قيمة الفكرة بعدد المشاهدات، وأباطرة الفتوى في زمن الاستعراض، يمارسون تغوٌلاً على التشريع تحت لافتة الحرية، أيادٍ تعبث بوعي الأمة، وتنجز من الداخل ما عجز عنه الاستعمار من الخارج.
يا أيها الإعلام العربي كفى تدليساً. إنها أمة لا تموت، وعقيدة لا تُهزم مهما تكالب عليها الأعداء من الخارج والخونة من الداخل. والله غالب على أمره. المنبر أمانة لا مختبر تجارب. العقيدة ليست فقرةً استعراضية في برنامج، ولا رأيًا عابرًا، بل هويةٌ راسخة، كما أن الشريعة ليست وسيلةً لرفع نسب المشاهدة. حين تُفتح الشاشات لمن يطعن في أصول التشريع بلا ميزانٍ علميٍّ مكافئ، فذلك ليس انفتاحاً ولا تحرراً، بل شرعنةٌ للفوضى وأيُّ مجدٍ يُبنى على زعزعة يقين أمة؟ إن التجديد الحق يكون من داخل المنهج لا بتقويضه، بإحياء أدوات العلم لا بإلغائها، وبتوسيع الفهم لا بتسييل القطعيات.
وليعلموا جميعاً أن الزنا حرام إلى قيام الساعة، وأن الخمر أمُّ الخبائث، وأن السنة وحيٌ مبيّن، وأن النبي ﷺ مشرِّعٌ بحكم ربه، فمن زعم غير ذلك فقد صادم نصاً لا يحتمل العبث، وخالف إجماعاً لا يقبل التأويل. وليعلموا أن الأئمة لم يكونوا أصحاب أهواء، بل حملة علمٍ وحراس منهج، اجتهدوا في ضوء النص لا فوقه، وأقاموا أصول الفقه صيانةً للدين لا صناعةً له. والطعن فيهم ليس نقداً علمياً، بل محاولة لاقتلاع المرجعية حتى يُترك الناس بلا ضابطٍ يحتكمون إليه.
وفي النهاية، يبقى على المجتمع أن يتحلى ببصيرة تميز بين خوارج العصر وأهل العلم، بين ضجيج الشاشات ورصانة المنهج، بين من يتاجر بالثوابت طلباً للانتشار، ومن يحملها أمانة بعلمٍ وثبات. ليس كل من تكلّم في الدين صار عالماً، ولا كل من رفع شعار التجديد كان مجدداً، فالأمم لا تسقط حين تُهاجم من الخارج، بل حين يُستهان بأسسها من الداخل. المسؤولية مضاعفة: على العلماء أن يبيّنوا، وعلى الإعلام أن يزن كلمته، وعلى المثقفين أن يفرقوا بين الاجتهاد المنضبط والفوضى التأويلية. فالكلمة سور حماية أو معول هدم، والتاريخ لا يرحم من جعل المنابر أدوات تقويض.









