من طاولة الحوار إلى ساحات النار.. التوتر الأمريكي- الإيراني يفتح أبواب المواجهة الإقليمية

من طاولة الحوار إلى ساحات النار.. التوتر الأمريكي- الإيراني يفتح أبواب المواجهة الإقليمية

تدخل منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر لحظاتها حساسية وتعقيدًا منذ سنوات، مع تزايد المؤشرات التي توحي بأن المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران يقترب من نقطة الانسداد، إن لم يكن قد بلغها فعليًا.

فبينما لا تزال القنوات السياسية مفتوحة شكليًا، تكشف الوقائع الميدانية والتحركات العسكرية المتسارعة عن استعدادات متقدمة لسيناريو بديل، يقوم على فرضية فشل التفاوض والانزلاق نحو مواجهة عسكرية واسعة قد تندلع خلال أيام لا أسابيع.

في هذا السياق، تبدو تل أبيب في حالة استنفار غير مسبوقة، حيث تعمل المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية على رفع مستوى الجاهزية العملياتية تحسباً لاحتمال اندلاع حرب مباشرة أو غير مباشرة مع إيران، في ظل بيئة إقليمية مشبعة بالتوتر، وتقاطعات استراتيجية حادة بين القوى الدولية والإقليمية.

الدبلوماسية على حافة الانهيار

رغم الجولات المتكررة من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن المسار الدبلوماسي يعاني من اختلالات بنيوية عميقة، أبرزها غياب الثقة المتبادلة، وتباين الأهداف الاستراتيجية، واستخدام التفاوض ذاته كأداة لكسب الوقت وإعادة التموضع، فواشنطن تسعى إلى كبح البرنامج النووي الإيراني دون تقديم تنازلات جوهرية تتعلق بالعقوبات، بينما ترى طهران أن أي اتفاق لا يفضي إلى رفع فعلي وشامل للعقوبات هو مجرد إعادة إنتاج لأزمة مؤجلة.

هذا التناقض الجوهري جعل المفاوضات أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى حلها، ومع تصاعد الضغوط الداخلية في كلا البلدين، بات خيار التصعيد العسكري مطروحاً بقوة كأداة لإعادة رسم قواعد الاشتباك، أو فرض معادلات جديدة على طاولة السياسة.

الحسابات الإسرائيلية واستراتيجية الضربة الاستباقية

من منظور إسرائيلي، يُنظر إلى اقتراب إيران من عتبة القدرة النووية باعتباره تهديداً وجودياً لا يمكن القبول به تحت أي ظرف. ولهذا، فإن إسرائيل لم تربط يوماً أمنها القومي بنتائج التفاوض الأميركي- الإيراني، بل احتفظت دائماً بحقها في التحرك المنفرد.ومع تزايد المؤشرات على تعثر المسار السياسي، أعادت تل أبيب تفعيل عقيدتها التقليدية القائمة على الضربة الاستباقية، سواء بشكل مباشر أو عبر عمليات سرية متعددة المستويات.

وتشير التقارير إلى تكثيف سلاح الجو الإسرائيلي تدريباته على سيناريوهات بعيدة المدى، تشمل ضرب منشآت محصنة داخل العمق الإيراني، إلى جانب رفع جاهزية منظومات الدفاع الجوي تحسباً لردود انتقامية عبر الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيّرة، سواء من إيران مباشرة أو عبر حلفائها الإقليميين.

التعزيزات الأميركية ورسائل الردع المزدوجة

في موازاة الاستعدادات الإسرائيلية، قامت واشنطن بسلسلة من التحركات العسكرية اللافتة في المنطقة، شملت إعادة نشر قطع بحرية، وتعزيز الوجود الجوي، ورفع مستويات التنسيق مع الحلفاء الإقليميين.

ورغم أن الخطاب الأمريكي الرسمي لا يزال يؤكد التزامه بالحلول الدبلوماسية، فإن هذه التعزيزات تحمل في طياتها رسالة مزدوجة: ردع إيران من جهة، وطمأنة إسرائيل من جهة أخرى.

غير أن هذا التوازن الدقيق ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ إن أي خطأ في الحسابات، أو حادث ميداني غير محسوب، قد يؤدي إلى انفجار واسع النطاق يصعب احتواؤه. فواشنطن، وإن لم تكن راغبة في حرب شاملة، قد تجد نفسها منخرطة فيها بحكم التزاماتها الأمنية وتحالفاتها الاستراتيجية.

إيران بين الصمود والتصعيد المحسوب

على الجانب الإيراني، لا تبدو طهران في موقع المتلقي السلبي للضغوط. فإيران عملت خلال السنوات الماضية على تطوير قدراتها الردعية، سواء عبر برنامجها الصاروخي، أو من خلال شبكة حلفائها الإقليميين. وتدرك القيادة الإيرانية أن أي ضربة إسرائيلية لن تمر دون رد، ليس فقط لحسابات الردع، بل أيضاً لحسابات الداخل الإيراني، حيث يُنظر إلى الصمود في وجه الضغوط الخارجية كجزء من الشرعية السياسية للنظام.

لكن في الوقت ذاته، تحاول طهران تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تستنزف قدراتها الاقتصادية والعسكرية، خاصة في ظل العقوبات الخانقة. ولهذا، فإن استراتيجيتها المرجحة تقوم على التصعيد المحسوب، والرد غير المباشر، مع ترك الباب موارباً أمام العودة إلى التفاوض إذا ما تغيرت الشروط.

سيناريوهات المواجهة المحتملة

في حال اندلاع مواجهة خلال الأيام المقبلة، يمكن تصور عدة سيناريوهات رئيسية. السيناريو الأول يتمثل في ضربة إسرائيلية محدودة تستهدف منشآت أو مواقع حساسة، يعقبها رد إيراني مضبوط السقف، بهدف منع توسع الصراع. السيناريو الثاني يقوم على تصعيد متدرج عبر ساحات متعددة، تشمل لبنان وسوريا والعراق، بما يحول المواجهة إلى حرب إقليمية منخفضة الحدة لكنها طويلة الأمد.أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في انخراط مباشر للقوات الأمريكية، ما قد يفتح الباب أمام مواجهة واسعة ذات تداعيات دولية عميقة.

لحظة اختبار للنظام الإقليمي

في المحصلة، تقف المنطقة أمام لحظة اختبار حقيقية، ليس فقط للعلاقات الأمريكية- الإيرانية، بل لمنظومة الأمن الإقليمي برمتها. ففشل المسار الدبلوماسي لا يعني بالضرورة حتمية الحرب، لكنه يرفع من احتمالاتها إلى مستويات غير مسبوقة. وبين حسابات الردع والمغامرة، والمصالح والتحالفات، يبدو أن الشرق الأوسط يقترب من مفترق طرق حاسم، ستكون نتائجه مؤثرة لسنوات طويلة قادمة، سواء اتجهت الأمور نحو انفجار عسكري أو إعادة إنتاج توازن هش تحت ظلال القوة.

اقرأ أيضاًبعد حكم بطلان الرسوم الجمركية.. ترامب: المحكمة العليا تأثرت بمصالح أجنبية

وزير خارجية إيران: لا يوجد حل عسكري للبرنامج النووي الإيراني

عاجل.. ترامب يدرس توجيه ضربة محدودة لإجبار إيران على إبرام اتفاق نووي

Exit mobile version