مع حلول شهر رمضان المبارك، يشهد الفضاء الإعلامي سباقاً محموماً وتنوعاً مكثفاً لاستقطاب اهتمام المشاهدين في الوطن العربي.
وفي خضم هذا التنافس على تصدر التريند تبرز برامج المقالب كأحد أخطر الإشكاليات في بنية الإعلام الترفيهي الحديث فما بدأ بهدف معلن وهو انتزاع الابتسامة عبر مفارقات طريفة، انزلق تدريجياً نحو استباحة علنية للكرامة
تُعد الحلقة الأولى من برنامج «رامز ليفل الوحش»، التي أذيعت في أول يوم من شهر رمضان والتي استضافت الفنانة أسماء جلال، دراسة حالة سوسيولوجية وقانونية متكاملة تكشف عن مكامن الخلل في المنظومة الإعلامية تتجاوز هذه الحالة حدود التقييم الفني لتسلط الضوء على الانتهاك النفسي والتحرش اللفظي الممنهج الذي تتعرض له الضيفات بشكل خاص ويصل للملايين في بيوتهم عبر الشاشات وتكمن المفارقة في التناقض الصارخ بين ما تبثه الشاشات من استباحة للكرامة تحت مظلة الترفيه، وبين التحركات التشريعية الجادة التي يشهدها البرلمان المصري في التوقيت ذاته لتغليظ عقوبات التحرش والتنمر في محاولة لضبط الإيقاع الأخلاقي للمجتمع.
لم يعد التحرش يقتصر في المفاهيم الحديثة على الاعتداء الجسدي ذي الطابع الجنسي، بل اتسع مفهومه ليشمل التعليقات المهينة التي تستهدف جسد المرأة أو ملابسها خاصة في مواقف الضعف.
وفي حلقة الفنانة أسماء جلال، تم إجبارها على التواجد في أماكن ضيقة ومغلقة وتعريضها لصعق كهربائي وانفجارات وهمية أدت إلى انهيارها العصبي.
لكن الأخطر من العنف البدني والذي ترتضيه الضيفة لنفسها في مقابل الإغراء المادي كان التجاوز اللفظي لمقدم البرنامج وانحدر الأمر إلى مستوى التشويه الجسدي والتحرش اللفظي الصريح والمباشر عبر التركيز التشريحي على مناطق محددة من جسدها الأنثوي في 22 مرة نصاً مثل «بتشتغل على السمانة والعضلة الخلفية» وغيرها من مفردات التحرش بمعناه الأخلاقي والقانوني، وتكرر الأمر في الحلقة الثانية مع الفنانة هنا الزاهد وهو ما يعنى إصرارًا غير أخلاقي على هذا الفعل.
هذا التجريد يحصر هوية المرأة في إطار الاستعراض الجسدي فقط، ويعطي شرعية مجتمعية زائفة لاستباحة أجساد النساء في المجال العام تحت غطاء الفكاهة.
يشير خبراء الطب النفسي إلى أن الاعتياد على مشاهدة هذا العنف الترفيهي يؤدي إلى ظاهرة خطيرة تُعرف بـ «التبلد الوجداني» Systematic Desensitization حيث يفقد المشاهد تدريجياً قدرته الفطرية على التعاطف مع معاناة الآخرين.
هذا المحتوى يمرر رسالة في اللاوعي الجمعي تجعل استباحة كرامة المرأة والتحرش بها أمراً مقبولاً.
تتضاعف الأزمة عند النظر إلى الإطار التنظيمي، فبينما يناقش مجلس النواب إقرار تعديلات لتغليظ عقوبات التحرش لتصل إلى الحبس لمدة أربع سنوات، تستمر هذه البرامج في البث مستغلة ثغرات جيوسياسية.
فقناة العرض تُعد قناة أجنبية تعمل بنظام المنطقة الحرة وتُبث عبر أقمار صناعية أجنبية، مما يخلق بيئة من الإفلات من العقاب ويحمي هذه الإنتاجات الضخمة من قرارات الإيقاف الفوري التي يطبقها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.
إن ما حدث مع انطلاقة موسم رمضان 2026 يمثل نموذجاً صارخاً للانهيار القيمي في الإعلام الترفيهي لم يكن التحرش اللفظي والتنمر زلة لسان، بل استمرار لنسق ممنهج و يظل الرهان الحقيقي معقوداً على صحوة مجتمعية وتشريعية يتضافر فيها البرلمان لسد الثغرات القانونية للمحتوى العابر للحدود، وتتبنى فيها الشركات المعلنة سياسات مسؤولية مجتمعية لسحب تمويلها من مثل هذه البرامج، فالتخاذل اليوم لم يعد يعني مجرد مشاهدة برنامج سيء، بل هو موافقة ضمنية على تفكيك منظومة الحماية الأخلاقية التي تحصن المجتمع من العنف ضد نسائه، وعلى المؤسسات القائمة على الإعلام في مصر وأيضاً وزير الإعلام القيام بمسؤليتهم تجاه وقف هذا التدني والبحث عن تعديل تشريعي إن كانت التشريعات الحالية غير كافية لوئد الظاهرة.









