“رأس الأفعى” من “البيعة” إلى العبودية التنظيمية – الأسبوع

“رأس الأفعى” من “البيعة” إلى العبودية التنظيمية – الأسبوع


محمود عزت، “رأس الأفعى”، يُعدّ أحد أبرز رموز ثقافة العبودية التنظيمية داخل جماعة “الإخوان”. كان يرى في العضو مجرد خلية وظيفية في جسم الجماعة، لا إنسانًا له كرامة مستقلة أو خصوصيات شخصية. طول تجربته في العمل السري، وسنوات السجن الطويلة، وتأثره العميق بأفكار سيد قطب، جعلته يتبنى تصورًا يقضي بأن البيعة ليست مجرد عهد أخلاقي أو ديني، بل عقد كامل يمحو الحدود بين الفرد والتنظيم. وفي عقل عزت المُستبد، العضو “يذوب” تمامًا في الجماعة، فيصبح كل ما يملكه – من أفكار إلى مشاعر إلى مراسلات عائلية – ملكًا للكيان، وتتحول خصوصيته إلى شأن تنظيمي يخضع لموافقة القيادة أو رفضها.

هذه العبودية التنظيمية – التي تجعل الفرد يفرّط في أبسط حقوقه الإنسانية طواعية أو تحت ضغط الضمير الجماعي – ليست سمة شخصية لعزت فحسب، المعروفة بالطاعة العمياء لقيادات التنظيم السري، وإنما هي نتاج ثقافة متجذرة في الجماعة منذ عقود، تعززت في جيل الستينيات الذي عاش سنوات بين أسوار السجون واعتبر “الطاعة المطلقة” شرطًا للبقاء والانتصار. ومع ذلك، يبقى عزت أحد أبرز تجسيداتها، لأنه لم يقتصر على تبنيها فكريًا، بل طبقها عمليًا في إدارته للجماعة داخل السجون وخارجها، محولًا القيادة إلى وصاية شاملة على الضمائر والأسرار والعلاقات الأسرية.

انضم السيد محمود عزت إبراهيم، المعروف باسم “محمود عزت”، إلى “الإخوان” عام 1962، وهو طالب في كلية الطب بجامعة عين شمس. وتم القبض عليه عام 1965 في القضية المعروفة إعلاميًا باسم “تنظيم 65″، وحُكم عليه بعشر سنوات سجنًا. خرج عام 1975، وأكمل دراسته الطبية، وصعد تدريجيًا سلم التنظيم السري في صمت، حتى أصبح عضوًا في مكتب الإرشاد عام 1981، ثم أمينًا عامًا، ثم نائبًا للمرشد، وأخيرًا قائمًا بأعمال المرشد العام بعد سقوط محمد بديع في قبضة رجال الشرطة، في وقت مبكر صباح الثلاثاء 20 أغسطس 2013، في شقة سكنية بمنطقة رابعة العدوية. واستمر عزت في قيادة الجماعة عبر رحلة هروب استمرت نحو سبع سنوات، إلى أن سقط في قبضة أجهزة الأمن يوم الجمعة 28 أغسطس 2020.

في الثامن من فبراير 2017، كشف القيادي الإخواني السابق، الدكتور إبراهيم الزعفراني، عن فصل من فصول العبودية التنظيمية، وكتب منشورًا عبر “فيسبوك” يروي واقعة من داخل سجن مزرعة طرة عام 1995. كان عزت آنذاك مسجونًا ومشرفًا على أعضاء الجماعة المسجونين بتكليف من مكتب الإرشاد.طلب مأمور السجن مقابلته، وبعد صلاة العصر عاد عزت ليخبر المجموعة بأنه تعهد للمأمور بامتناع “جميع الإخوان” عن تهريب أي خطاب خارج السجن عبر الأهالي، وذلك بعد الكشف عن محاولات تهريب رسائل تنظيمية من قيادات الداخل إلى عناصر إخوانية بالخارج.

محمود عزت

سأله الزعفراني بصراحة: “هل التعهد يقتصر على الخطابات التنظيمية، أم يشمل الخطابات الأسرية والعائلية والزوجية؟”. أجاب عزت، بهدوء الواثق من سلطانه: «كل أنواع الخطابات». هنا انفجر الصراع بين الإنسان والتنظيم. قام الزعفراني وقال له كلمات لا تُنسى: “ما سلطانك، يا دكتور محمود، على خطاباتنا العائلية التي نكتبها لحل مشاكلنا الأسرية التي لا نرغب في أن يطلع عليها أحد، أو لقضاء حوائجنا الخاصة، أو حتى لتبادل العواطف والحفاظ على دفء العلاقة الزوجية؟ لن يقبل أحد منا أن يجلس على كرسي الاعتراف ليبوح للمسؤول الإخواني بأسرار بيته كي يسمح له بالكتابة”.

ثم وجه له الاتهام المباشر: “لقد تجاوزت، يا د.محمود، الخطوط الحمراء فيما يدخل في إطار خصوصياتنا الفردية.. .لقد سلبتنا حقوقنا الإنسانية وحرمتنا استقلالنا حين تعهدت بأمور نملكها نحن، ولا تملكها أنت”. ولم يكتفِ بالكلام، توجه فورًا إلى زنزانته، وكتب خطابًا لزوجته، وسلمه لها في الزيارة التالية، “تحديًا لعزت كمسؤول تعهد بما لا يملك”، ورأى أن موقفًا عمليًا كهذا كفيل بإيقاف مثل هذه التجاوزات التنظيمية.

تجاوزت هذه الواقعة حدود الخلاف الفردي إلى كشف جوهر سلبيات قيادة محمود عزت، ودأبه على اتخاذ قرارات تمس أعمق خصوصيات الأفراد دون تردد، بدعوى حماية “مصلحة الجماعة”. عقلية محمود عزت القيادية ترى أن العضو لا يملك قرارًا مستقلًا في أمور شخصية، لأن كل شيء يخضع لـ”الموازنة التنظيمية”. هذا التصور هو ما جعله يُعارض أي محاولة إصلاحية داخلية، ويدفع الجماعة نحو مواجهات كارثية بعد 2011، ويحافظ على نظام صارم يُربّي على الطاعة العمياء المطلقة، حتى في أدق التفاصيل اليومية.

الزعفراني نفسه – القيادي السابق الذي قضى في الجماعة نحو 45 عامًا قبل استقالته في أبريل 2011 – لاحظ أن طول عهد عزت بالعمل السري جعله “لا يرى قيمة للخصوصية أصلًا”، حيث يُفترض بالعضو أن “يسلم نفسه للمسؤول دون أن يكون له أي حقوق أو خصوصيات”. هذه الثقافة ليست استثناءً في تاريخ الجماعة، ولكنها امتداد لفكرة “الجسد الواحد” التي رسخها سيد قطب في كتاباته التكفيرية، وطبقها جيل عزت عمليًا. وكانت النتيجة أجيالًا من أعضاء الجماعة يفرّطون في حقوقهم طواعية، ويتخلون عن الدفاع عن أسرارهم، ويسمحون للقيادة بانتهاك “الخطوط الحمراء” لكل الحقوق الشخصية التي تمثل كينونة الإنسان.

آلية العبودية التنظيمية المشتركة تجمع بين القائد الذي ينشأ في بيئة سرية ويفقد القدرة على التمييز بين الخاص والعام، فيتحول إلى وصي على الضمائر، والعضو الخاضع خضوعًا تامًا، والذي عبر عنه المرشد العام السابق مهدي عاكف عندما وصف العضو بأنه “كجسد الميت بين يدي من يغسله”. عزت لم يكن مجرد مدير تنظيمي، بل كان مربيًا في تنظيم إرهابي، وحارسًا للأسرار والأموال، وديكتاتورًا يقمع أي صوت يطالب بحقوق فردية.

شهادة الزعفراني، ببساطتها، تكشف التناقض الصارخ في جماعة تدّعي تحرير الإنسان من استبداد مزعوم، لكنها تمارس أشد أنواع الاستعباد الداخلي. محمود عزت هو المُنتَج الطبيعي لنظام يمجد الطاعة ويحتقر الفردية، ودليل حي على أن أزمة “الإخوان” تكمن في تنظيمها السري المغلق، حيث يذوب الإنسان في الجماعة فلا يبقى منه شيء سوى اسمه على ورقة تنظيمية.

Exit mobile version