تهاني تركي
تهاني تركي
فى أول أيام الشهر الفضيل شهر الصوم والطاعات والتقرب إلى الله بشتى العبادات، فوجئنا بفيديو منتشر فى أحد التجمعات السكنية الفاخرة لشخص يسب فرد أمن، ويتطاول عليه، وعلى بعض الجيران بأقذع الألفاظ والشتائم، بل والتعدى بالضرب عليه ودون أى مقاومة من طرف بالتأكيد هو الأضعف، ماذا حدث للمجتمع الذى كانت مظاهر الورع والتقوي تعم شوارعه وحواريه وكل بقعة فيه خلال الشهر الكريم؟
بالطبع هذا الحادث مؤكد أن له جوانب خفية ستكشفها تحقيقات النيابة العامة، وبالتأكيد أن كلاًّ سيأخذ حقه، ولكن نتحدث عن الدوافع التى يمكن أن تجعل شخصًا، وهو صاحب مال ونفوذ ومستوى اجتماعي، يُقدم على هذه الطريقة المتدنية فى التعبير عن غضبه، وإذا سلمنا أن الموضوع له أبعاده، وهو عبارة عن تراكمات وميراث من الخلافات مع الجيران، فهل يعقل أن تكون هذه الألفاظ “السوقية” هى الوسيلة الوحيدة للتصرف فى مثل هذه المواقف؟
فى اعتقادى أن الأماكن لا بد وأن ترتقي بقاطنيها، فمثل هذه التجمعات السكنية يلتزم فيها الجميع بتعليمات إدارة “الكمبوند”، وجميعها تصب فى خانة الحفاظ على أمن السكان ونظافة المكان، وحفظ حقوق الجيران، ومثل فرد الأمن الذى تم الاعتداء عليه هم فى الغالب عمال بسطاء، تقوم شركات الأمن بتوظيفهم بأجور بسيطة، وهم متواجدون فى كل المنشآت الحيوية، ومنها النوادى الرياضية والتجمعات السكنية والبنوك وخلافه، ويتعامل معهم أغلب مرتادى هذه الأماكن بشيء من التعاطف مع رقة حالهم.
لا يستطيع أحد أفراد الأمن فى التجمعات السكنية التطاول، أو تحدى أحد الملاك لأنه يعلم جيدًا أن ذلك سيكون سببًا فى ترك وظيفته وقطع رزقه، وكل الأسباب التى قالها المتهم بالتعدى ليست منطقية، وكل سكان هذه الأماكن يعرفون ذلك جيدًا، وفى حال أي شكوى من أحدهم يتم إبلاغ الإدارة التى تتصرف معه على الفور، فهم يتقاضون رواتبهم من المبالغ التى تحصلها شركة الأمن من الملاك، وبالتالي أي كلام من قبيل التحدى، وما شابه هو عار تمامًا من الصحة.
هذه الواقعة تحدث مثلها العشرات يوميًا، وفى نهار رمضان، فالسباب والتعدى بالألفاظ والمشاجرات لا تردعها أجواء الشهر الفضيل، بل إن البعض يتجرأ أكثر، وهم أصلاً لا يعرفون لشهر الصوم حرمة، فى زمن فات كان المجاهرون بالإفطار لا يكادون يظهرون فى نهار رمضان، وإن حدث وكان أحدهم مفطرًا لأى سبب كان لا يجهر بذلك مراعاة لمشاعر الآخرين، غير أن مياهًا كثيرة قد جرت فى النهر، وأصبح الجهر بالإفطار عيانًا بيانًا من شباب صغار فى السن، وربما بعض الكبار.
منذ عدة سنوات كنت فى زيارة مع لجنة التضامن بمجلس النواب إلى مركز الدراسات والبحوث الاجتماعية، وقتها تحدثت مديرة المركز الدكتورة نسرين البغدادي عن غياب الوعي الديني فى بعض الأماكن، وقالت إنها فوجئت أثناء إجراء دراسة بأحد الأماكن العشوائية بعدم علمهم بالصوم كفريضة على كل مسلم، وعندما سألتَ إحدى السيدات عن عدم الصيام أجابتها بأنها لا تعرف إلا أن الصوم مفروض على الأغنياء فقط.
تراجع الوعي الديني والأخلاقي ساهمت فيه عوامل عدة منها تراجع أدوار مؤسسات التنشئة سواء المساجد أو المدارس أو الأسرة فى غرس الوازع الديني والأخلاقي، ناهيك بالطبع عما تسببت فيه بعض الأعمال الدرامية من تفشي ثقافة البلطجة والسباب، بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي التى أتاحت المجال واسعًا للتجرؤ على الآخرين.. يؤسفنا بالطبع أن نتحدث فى شهر الصوم عن ظاهرة سلبية ولكنه الواقع، ويجب أن نحذر من تداعياته.










