مقالات

ليه يا «إيلا» زعلانين من «صحاب الأرض»؟! – الأسبوع

لو كانت ما تُسمّى بـ«كابتن إيلا»، المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، تملك بقايا ضمير فعلًا، لارتبكت قبل أن تنطق، ولتعثر صوتها وهي ترى الأرقام الحقيقية تسبق كلماتها. كانت ستسأل نفسها: كيف أهاجم عملًا دراميًا يتحدث عن ذاكرة شعب، بينما الشاشات في مكتبي لا تنقل تمثيلًا، بل قتلًا مباشرًا؟ 73187 ضحية سقطوا في قطاع غزة. أسماء وأعمار محتها قواتكم. 180772 جريحًا أصبحوا شهود عيان وأدلة دامغة على عدوانكم. 18700 ينتظرهم ذووهم.

192812 مبنى متضررًا من غاراتكم. مليونا نازح محشورون في جزء من أرضهم لأنكم، كقوة احتلال، طامعون في جغرافيتهم. تجمعات أنهكها الجوع وأرهقها الألم، لكنه لم يكسر إرادتها ولم يزعزع إيمانها. كيانكم الهش هزّه مسلسل واقعي «صحاب الأرض» يعيد التذكير بجريمتكم الأكبر.

تقولين يا «إيلا واوية» إن المسلسل «يقلب القاتل ضحية ويطلب منك تصدّق وتتعاطف»؟! لكن من الذي يطلب التعاطف فعلًا؟ هل الطفل الخارج من تحت الأنقاض، مصابًا بالذهول ومتعلقًا ببقايا حياة، هو من يطلبه؟ هل السيدة التي تُحصي عدد أبنائها فلا تجدهم كاملين لأنكم قررتم حرمانها منهم، هي من تبحث عن تعاطف؟ هل ترين الأشلاء تحت جدران البيوت التي هدمها قصفكم؟ هل تسمعين أرقام الخسائر الحقيقية قبل أن تصل إلى نشرات العالم؟ تتحدثين ببلادة من مكتبك المحصّن، بينما التقارير المكتوبة والمسموعة والمرئية تنقل لك تفاصيل القصف والغارات لحظة بلحظة. لا تناقشين دماء المدنيين السائلة في ربوع القطاع، لكن يقلقكم مسلسل تليفزيوني. دعيني أسألك: هل مشكلتكم في الدراما الواقعية، أم في ذاكرة تحاولون محوها، وحقيقة تحاولون تمييعها؟

المفارقة القاسية يا «إيلا» أن هجومكم على مسلسل «صحاب الأرض» لم يأت دفاعًا عن حقيقة تاريخية، بل هروبًا من واقع معروض بالصوت والصورة. هل أصبح العمل الفني المصري أخطر من القصف في نظرك، وأنت تتحدثين رسميًا باسم وزارة الدفاع الإسرائيلية؟ هل أقلقتكم روايتنا الحقيقية وبدأت تفلت منكم السيطرة؟ الدراما المصرية لم تطلق رصاصة، لكنها أطلقت، من وجهة نظري، سؤالًا أوجعكم: من صاحب الأرض فعلًا؟ السؤال أزعجكم لأن خلفه سجل مفتوح من وعد بلفور إلى النكبة، ومن الحروب المتتالية إلى الحصار المستمر للأشقاء. حين تتكاثر الوقائع، لا يبقى أمام من ينكرها إلا مهاجمة من يعيد التذكير بها. لهذا بدا رد فعلكم دفاعًا مرتبكًا، ليس عن «دولة»، بل عن «رواية» تتآكل كلما نطق شاهد جديد بالحقيقة.

نجحت الشركة «المتحدة»، للخدمات الإعلامية في توظيف مسلسل «صحاب الأرض»، كأداة إعلامية استراتيجية لإثارة الرأي العام. دفعتكم في وزارة الدفاع الإسرائيلية للرد رسميًا، عبرك يا «إيلا». القدرة على تحويل عمل فني إلى حدث سياسي تظهر مهارة صناع الدراما في الشركة. في صناعة نقاش عام. في تحويل الفن إلى أداة ضغط إعلامي، تجبركم على مواجهة الحقائق والدفاع عن أنفسكم أمام واقعية الأحداث وعدالة القضية. هذا النجاح يكشف فهمًا دقيقًا لكيفية توظيف المحتوى المدروس، الذي يوازن بين الفن والتوثيق التاريخي. وضعك، أيها المتحدثة الرسمية، أمام خيار الرد على الوقائع بدلاً من تجاهلها، فكان الرد إعادة ترويج لـ«صحاب الأرض».

مسلسل «صحاب الأرض» لا يروي خيالًا، يا «إيلا». يعيد تقديم استراتيجيات، تكتيكات، وممارسات جيشكم الإسرائيلي من زاوية الواقع. يكشف من يحاول تبييض جرائمه المتواصلة رغم تورطه في جرائم حرب. من لم يقرأ أو يعيش تاريخ السطو المتواصل ستصله رسالتنا التوعوية بسهولة. أليس الحاضر امتدادًا للماضي؟ أليس شارحًا وموضحًا له؟ أليس عنوانًا كبيرًا يعيد تصحيح المسار ويحرج من يحاولون تمييع القضية؟. مسلسلنا المصري (ترجمة لموقفنا الوطني- العروبي)، يجهض مخطط شطنتكم للضحايا المدنيين. رواياتكم راجت عقودًا. ألم تسهم معظم وسائل الإعلام والدبلوماسية الغربية في تضخيم مزاعمكم؟ ألم تمنحكم القدرة على تبرير الانتهاكات؟ الحقائق التاريخية والسياسية تفضح من يستولي على أرض الغير، وتكذب من يرغب في تهجير المالكين ومصادرة أصولهم. أراك فشلت في محاولة خلط الأوراق، تصديرك «حماس» لن يموه حجم الجرائم المتراكمة.

التاريخ، يا «إيلا»، سجل طويل يربط الغزوات القديمة بعنف العصر الحديث. الرواية التليفزيونية التوثيقية أداة لإحياء الذاكرة، لإسعاف المعنويات العربية قبل الفلسطينية. منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد، واجه الإقليم العربي موجات غزو. هزمناهم. هل تعرفين ماذا فعل ملكنا، وسيدكم، رمسيس الثالث؟. بين لأجدادك من شعوب البحر أن المنطقة ليست رخوة. نقوش معبد «هابو»، شاهد عيان على التطور التكتيكي المصري. الانتصارات لم تكن مستهدفاتها عسكرية فقط، لكنها حمت العقيدة التي يمثلها «آمون». أساليب الدفاعية من الماضي إلى المستقبل لا تقتصر على السلاح. حضارتنا العريقة صاغت مفهوم الأمن القومي. مؤسساتنا تواصل ترسيخه عبر تعزيز الأمن والسلم الإقليميين. نستند إلى إرث تاريخي، ووعي متجدد بالتهديدات الخارجية، مع القدرة على مجابهة محاولات الهيمنة مهما تعددت أشكالها.

الأحداث التاريخية، يا «إيلا»، تضع في السياق الحديث استمرار محاولات الاحتلال للسيطرة على الأراضي الفلسطينية. تستفيدون من ضعف المناعة الإقليمية ومن موالاة بعض القوى الدولية. نفهم جيدًا الربط بين الغزوات القديمة والاستيطان الحديث، ويتأكد صدق موقفنا بأن الاحتلال امتداد لمسار طويل من السيطرة بالقوة والتزييف. وعد بلفور عام 1917 كان نقطة انطلاق مشروعكم على أرضنا العربية، مقدمًا دعمًا دوليًا لفكرة “أرض بلا شعب”. شكلت موجات الهجرة الأوروبية قاعدة سياسية وعسكرية، متجاوزة حقوق الفلسطينيين، وهي خطوة أسست للاحتلال الحديث وربطت مشاريع السيطرة بالإطار الدولي، بينما تم تهميش أصحاب الحق. يسقط الضعفاء في فخ روايتكم، أما نحن فلنا قدراتنا، المعززة بقوة روايتنا وحقائقنا التاريخية. مسلسل «صحاب الأرض» يوضح أن التزييف الإعلامي لن يطمس التاريخ، ويؤكد أنكم لستم ضحايا، ويعيد التذكير بأنكم لستم أصحاب حق طبيعي.. ولن تكونوا.

نقبي في تاريخ أجدادك، يا «إيلا». أقصد عام 1948، عام النكبة، عندما تم تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من بيوتهم وأراضيهم. احتلالكم لم يقتصر على الحرب، بل شمل مصادرة الممتلكات والقرى بأكملها، في محاولة دائمة لترسيخ فكرة الأرض المأهولة بالقوة. تحتاجون إلى عشرات المسلسلات على وزن «صحاب الأرض» لتسجيل ما قمتم به طوال عقود من عمليات منهجية لاستكمال مشروعكم الاستيطاني. التهجير كان استكمالًا لمنطق الغزو القديم، ويظهر كيف استُخدمت كل الأدوات، حتى غير المشروعة، لتبرير السيطرة على الأرض. من 1948 حتى اليوم، خضتم حروبًا متكررة ضد الفلسطينيين والعرب، في محاولة لتثبيت السيطرة على الأرض وإضعاف أي قدرة فلسطينية على المقاومة الحقيقية. «صحاب الأرض» ليس مجرد عمل فني، بل جزء من المقاومة المعنوية، وتنبيه بأن الاحتلال استمر عبر استراتيجيات متكررة. أيتها المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، يجب أن تدركي أن التاريخ والواقع لا يمكن قلبهما، وأن الجرائم المتواصلة لا تمحى بالتصريحات أو الروايات المزيفة.

حتى في عام مولدك (16 أكتوبر 1989)، كان الوضع عاصفًا في الأراضي الفلسطينية، مع سلسلة أحداث دموية واسعة ضمن سياق الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت في ديسمبر 1987. راجعي يا «إيلا»، أرشيفكم، وانظري كيف اعتمدتم استفزاز الفلسطينيين. تفاقمت الاشتباكات وعمليات إطلاق النار والاعتقالات الجماعية، مع تركيز جيشكم على غزة ورام الله ونابلس وبيت لحم. سقط عشرات الأبرياء بين قتلى وجرحى، من بينهم أطفال وشباب، نتيجة استخدام جيشكم القوة المفرطة، بما في ذلك الرصاص الحي والاعتقالات التعسفية وحرق المنازل. تواصلت الأحداث المأساوية عبر عمليات القصف ومداهمات القرى الفلسطينية، ما أدى إلى تدمير ممتلكات وأضرار واسعة في البنية التحتية المحلية.

هل تنكرين، يا «إيلا»، أن الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية وشرق القدس يستهدف تغيير التركيبة الديموغرافية؟ هل تنكرين أن كل مستوطنة جديدة تمثل خرقًا للقانون الدولي وتهديدًا للوجود الفلسطيني؟ من إذن يزيف الحقيقة: إسرائيل أم مسلسل «صحاب الأرض»؟ من صاحب التاريخ الطويل من الغزو والتوسع؟ هل تنكرين أن القمع العسكري منهجكم؟ الإدانات الدولية تؤكد ذلك، لكنها لا تردعكم، حتى مع تفاقم الأزمة الإنسانية في المناطق المحتلة. حصاركم المستمر على قطاع غزة منذ 2007 أليس جزءًا من الجرائم الحديثة، مستهدفًا الحياة اليومية للفلسطينيين؟ هل قطع الإمدادات والقيود على التجارة والتنقل تختلف عن منطق السيطرة القديم؟ مسلسل «صحاب الأرض» حاول تسليط الضوء على كارثتكم الحديثة، موضحًا الفرق بين الروايات الإسرائيلية التي تحاول تقديم الفلسطينيين كمعتدين، وبين الواقع الموثق تاريخيًا والمستمر حتى اليوم.

يا «إيلا»، ردكم على مسلسل «صحاب الأرض» يجب أن يكون مستندًا إلى وقائع موثقة. أي محاولة لخلط الأوراق لا تغيّر الحقائق. عملياتكم العسكرية تستهدف المدنيين بشكل مباشر، وتمتد لتشمل المدارس والمستشفيات ودور العبادة. إذن، من يحاول قلب الحقيقة وتحويل القاتل إلى ضحية؟ من يوظف الإعلام والقوة الناعمة لتبرير السيطرة؟ من يوظف الأدوات نفسها لعرض الحقيقة؟ نقدكم المشبوه، الذي يزعم أن المسلسل المصري “يبيض الرواية” الفلسطينية، يتجاهل حجم الاستيطان، التهجير، الحصار، والاستهداف المباشر.

حتى سنوات قليلة، مرت القوة الناعمة المصرية بمرحلة اعتلال واضحة بعد مسيرة عريقة صنعت مكانة راسخة في محيطها العربي والإقليمي. لعقود، شكّل الفن والدراما والموسيقى والكتابة المصرية وجدان المنطقة، وأسهمت في بناء مشترك وطني متماسك عزز الاصطفاف الشعبي في اللحظات الفاصلة، وفي مقدمتها معركة العاشر من رمضان (السادس من أكتوبر 1973)، التي خاضتها مصر ضدكم. لكن الرصيد اللاحق تعرض لتآكل تدريجي مع تصاعد محتوى سطحي أفسد الذوق العام واستهدف المشتركات الثقافية التي صنعت الوعي الجمعي. في فترة أزمتنا، نشطتم وتوسعتم، مستغلين غياب أدوات التأثير المصرية التي فقدت قدرتها آنذاك على قيادة النقاش العام عربيًا.

لم يتوقع كثيرون أن تستعيد القوة الناعمة المصرية قدرًا ملموسًا من عافيتها خلال فترة قصيرة نسبيًا، وأن تعود لتؤثر في دوائر تتجاوز حدود الترفيه إلى المجال السياسي المباشر. غير أن ما حدث أخيرًا يشير إلى تحول نوعي، حتى وإن ظل الطموح الوطني أكبر مما تحقق حتى الآن. عودة التأثير لم تأت عبر الخطاب المباشر، بل من خلال عمل فني مدروس استطاع أن يفتح مواجهة مع الرواية الإسرائيلية، ويعيد طرح الأسئلة التاريخية على طاولة الجدل العام. هذه العودة لا تعني اكتمال التعافي، لكنها تثبت أن أدوات التأثير ما زالت قادرة على الفعل حين يتوفر التخطيط والإرادة والرؤية.

شكرًا للشركة «المتحدة» للخدمات الإعلامية، التي أظهرت قدرة على خلق حالة إعلامية فرضت نفسها على دائرة اتخاذ القرار الإسرائيلية. المسلسل شكّل استراتيجية متكاملة استهدفت كشف الجرائم التاريخية للكيان المحتل وإعادة التذكير بالرواية الحقيقية. أجابرك يا «إيلا ووايه» على التعليق، ويعكس ذلك مدى تأثير الوسائل الإعلامية على السياسة العسكرية والإعلامية، وكيف يمكن للعمل الفني أن يشكّل أداة ضغط فعّالة. هذا الإنجاز يبرز قيمة التخطيط الإعلامي المحترف، ويضع «المتحدة» في مصاف الفاعلين الذين يستطيعون تحويل محتوى ثقافي إلى حدث سياسي إقليمي بل وعالمي.

شكرًا، لكل وسيلة إعلام مصرية وعربية، تتحمل مسئولياتها في تعزيز الأمن القومي العربي، وتسهم بفاعلية في نقل الحقائق وصون الرواية التاريخية أمام محاولات التزييف والتضليل.

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts