في الشرق الأوسط لا تولد الحروب فجأة، ولا تنفجر الأزمات من فراغ. فغالبًا ما تسبقها سنوات من التمهيد السياسي والإعلامي والعسكري، تُصنع خلالها بيئة الصراع بعناية حتى تبدو المواجهة وكأنها نتيجة طبيعية لمسار طويل من التوترات.
ولهذا فإن قراءة ما يجري اليوم في محيط إيران يجب ألا تقتصر على التصريحات المتبادلة أو الضربات العسكرية المحدودة، بل يجب النظر إلى الصورة الأوسع التي تتحرك فيها القوى الكبرى.
التفسير الشائع لما يحدث الآن يقول إن الهدف هو إسقاط النظام الإيراني أو القضاء على قوته العسكرية.
لكن القراءة المتأنية تشير إلى أن المسألة قد تكون أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فالتجارب السابقة في المنطقة أثبتت أن إسقاط الأنظمة ليس دائمًا هو الهدف الأول، بل إن الهدف في أحيان كثيرة يكون خلق حالة من التوازن المتوتر الذي يسمح بإدارة الصراع لفترة طويلة.
من هذا المنطلق يمكن النظر إلى ما يحدث باعتباره محاولة لإعادة ضبط ميزان القوة في المنطقة.
فإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية لا يعني بالضرورة إنهاء دورها، بل قد يكون تمهيدًا لمرحلة جديدة من الصراع الإقليمي، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للقوى الكبرى.
ولو نظرنا إلى تاريخ المنطقة القريب سنجد مثالًا واضحًا على هذا النوع من الحروب. فالحرب العراقية الإيرانية التي اندلعت في مطلع الثمانينيات استمرت ثماني سنوات كاملة، وخرج منها الطرفان منهكين اقتصاديًا وعسكريًا.
تلك الحرب لم تُنهِ الصراع في المنطقة، لكنها أعادت تشكيل موازين القوة فيها، وفتحت الباب لسلسلة من الأحداث التي غيرت شكل الشرق الأوسط لسنوات طويلة.
اليوم يبدو أن المنطقة قد تكون أمام محاولة لإعادة إنتاج منطق الاستنزاف ذاته، ولكن بظروف مختلفة وأطراف أكثر تشابكًا.
فبدلًا من المواجهة المباشرة بين قوتين إقليميتين فقط، قد نشهد صراعًا أوسع تتداخل فيه أدوار القوى الدولية بشكل غير مباشر، بينما تتحمل دول المنطقة العبء الأكبر من كلفة المواجهة.
الخطر الحقيقي في مثل هذه السيناريوهات لا يكمن فقط في الحرب نفسها، بل في ما تتركه من آثار طويلة المدى على استقرار الدول والمجتمعات.
فحروب الاستنزاف لا تنتهي عادة بانتصار واضح لطرف على آخر، بل غالبًا ما تنتهي بإضعاف الجميع وفتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة تُفرض على المنطقة.
من هنا تبدو الحكمة السياسية ضرورية أكثر من أي وقت مضى. فدول المنطقة مطالبة بقراءة المشهد بوعي عميق، وعدم الانجرار وراء ردود الفعل السريعة التي قد تدفعها إلى صراعات مفتوحة لا يمكن التحكم في مسارها.
أما مصر، بحكم موقعها وثقلها التاريخي، فهي تدرك أن أمنها القومي لا ينفصل عن استقرار الإقليم، لكنها في الوقت ذاته تدرك خطورة الانخراط في حروب طويلة لا تخدم مصالح شعوب المنطقة.
وتجربة السنوات الماضية أثبتت أن القاهرة تميل إلى التعامل مع الأزمات الإقليمية بمنطق التوازن والحسابات الدقيقة، وهو نهج يعكس فهمًا عميقًا لتعقيدات المشهد في الشرق الأوسط.
المنطقة اليوم تقف مرة أخرى أمام لحظة اختبار، فإما أن تنزلق إلى دورة جديدة من الصراعات الممتدة، وإما أن تنجح في تجنب السيناريوهات التي صاغها الآخرون لمستقبلها.
وفي مثل هذه اللحظات لا يكون الرهان الحقيقي على القوة العسكرية وحدها، بل على القدرة السياسية في قراءة المشهد وفهم ما يجري خلف العناوين العريضة للأحداث.
اقرأ أيضاًماكرون: فرنسا ستسمح بنشر طائراتها التي تحمل أسلحة نووية في الدول الحليفة بشكل مؤقت
جيش الاحتلال: تدمير أكثر من 2500 ذخيرة و600 موقع بنية تحتية تابعة للنظام الإيراني









