أمجد عبد الحليم
أمجد عبد الحليم
وبينما يُجمع أغلب مفكرى مصر ونخبها على أن أهم مشكلاتنا حاليًّا هي الأزمة الاقتصادية وغلاء المعيشة وتلك الضغوط السياسية الناشئة عن التهاب أوضاع أغلب دول الجوار، يبدو أن هناك مَن يرى ما هو أخطر على الوطن وأهله من كل ذلك. ربما علينا أن ننظر بعين المستقبل لنرى كيف سيصبح شكل هذا الشعب بعد عقد أو عقدين من الآن، كيف ستكون هوية تلك الأجيال الناشئة التى تتربي اليوم وتتشكل شخصيتها فى أجواء غريبة لا تبشر أبدًا ببقاء التركيبة المصرية العريقة على وضعها فى قادم الأيام.
ربما يومًا تتحسن أحوالنا الاقتصادية، وتتغير أجواء السياسة داخليًّا وخارجيًّا، ولكن الأهم من ذلك أن تأتي تلك السنوات وقد اكتسبت تلك الأجيال الشابة التى نراها اليوم هائمة على وجوهها بعضَ الانتماء وتلك الجينات المصرية الأصيلة والموروثات القيمية التى بدأت تندثر من عقول هؤلاء الصغار.
إنها حرب شعواء على الثوابت فى وقت ينشغل فيه الناس بأمور الاقتصاد والسياسة وكثير من الترندات اليومية الجوفاء، ويتركون صغارهم فريسةً سهلةً لمَن يسعون بكل قوة وثبات نحو مسخ الشخصية المصرية، وتغيير هويتها، وشكلها، ونمط حياتها، وفكرها لتصبح بلا شكل مميز وبلا جذور فيسهل كسرها وتوجيهها فى أي اتجاه للريح.
فى حرب الهوية التى لا يهتم بها الكثيرون يستخدم الأعداء كلَّ الأسلحة الفتاكة للقضاء على بذور العبقرية المصرية حتى لا تنبت من جديد فى أرضنا المصرية. إنهم ينشرون العنف والشائعات ويروِّجون للأفكار والفتاوى المثيرة للجدل واهتزاز الثوابت حتى يحدث التشتت فى العقول، ولا يعُد هناك مقاييس ثابتة للحلال والحرام والخطأ والصواب.
إنهم يبشرون هؤلاء الصغار بالحرية ولكنهم لا يمنحونهم تفسيرًا لها سوى أنها أقرب إلى الفوضى التى تبيح لكل منهم أن يفعل ما يريد حتى ولو كان ذلك ضد مصلحة الآخرين وضد حريتهم الشخصية. يومًا بعد يوم يسقط هؤلاء الصغار فى براثن التشتت والرفض لكل ما هو قديم، بل إنهم سيصلون قريبًا إلى كُره كل الأجيال السابقة دون سبب معلوم، غدًا سيكرهون فكرهم وما تربوا عليه من قيم وفن وحضارة وتقاليد حتى يصل الأمر إلى رفض وجود تلك الأجيال أو على الأقل انتهاء العلاقة الأبدية بين جيل وآخر يتعاقبان ليكملا مسيرة السابقين.
في النهاية ومهما رأى الناس أن شئون الاقتصاد والسياسة هي الأهم، سيظل لدينا هذا الهاجس حول شكل وهوية الأجيال القادمة، فربما يأتي علينا زمان يزداد الوعي ويغير الناس فيه ترتيب أولويات اهتمامهم.. اللهُمَّ احفظ مصر وأجيالها القادمة من التشتت وفقدان الهوية.. اللهُمَّ احفظ مصر الوطن.










