في الكتاب الخامس من موسوعة «ناصر 67.. هزيمة الهزيمة» لمصطفى بكري، والتي تضم مجموعة من محاضر اجتماعات ومباحثات الرئيس جمال عبد الناصر مع وزرائه ومعاونيه وعدد من القادة العرب خلال الفترة من يونيو 1967 وحتى تولي أنور السادات الرئاسة في أكتوبر 1970، تتكشف ملامح مرحلة شديدة التعقيد في العلاقات العربية – العربية.
من أبرز ما تكشفه تلك المحاضر جلسات اجتماع القادة العرب في طرابلس بليبيا يوم 21 يونيو 1970، حيث بدا واضحًا حجم الاحتقان الذي وصل إلى حد العداء بين النظام المصري بقيادة جمال عبد الناصر والنظام العراقي بقيادة أحمد حسن البكر وصدام حسين.
خلال الاجتماع، وجّه الرئيس العراقي أحمد حسن البكر انتقادات حادة للأداء السياسي والعسكري المصري في حرب 1967، فجاء رد عبد الناصر شديد اللهجة، مؤكّدًا أن العراق لم يكن له دور فعلي في الحرب، ولا في دعم المعركة بعدها، وأنه انشغل بالمزايدات السياسية ودعم منظمات فلسطينية متطرفة بدلًا من الإسهام الحقيقي في المواجهة.
وقال عبد الناصر نصًا:
«مفيش جندي واحد من أي بلد عربي بيحارب معانا».
وفي ختام الاجتماع، قدّم الليبيون مشروع قرار عرضه عمر المحيشي، عضو مجلس قيادة الثورة الليبية، هاجم عبد الناصر المشروع بقوة، وعندما سأل معمر القذافي: «جايبين المشروع ده منين؟ ومن كتبه؟»، أجابه القذافي بأن المشروع كُتب في العراق وأن المحيشي هو من أحضره.
كانت العلاقة بين النظامين المصري والعراقي في أسوأ حالاتها عقب انقلاب 17 يوليو 1968، الذي أتى بجناح البكر – صدام إلى السلطة في بغداد.ومنذ ذلك الحين، تصاعدت حدة التوتر، خاصة مع الدعاية العراقية التي روجت لفكرة أن عبد الناصر أصبح عاجزًا عن مواصلة النضال، وأن عليه تسليم الزعامة إلى جيل عربي شاب جديد.
بل إن بغداد سعت إلى جذب الثوار الليبيين إلى جانبها في مواجهة النظام المصري، في محاولة لتشكيل محور مناوئ لعبد الناصر. وتطور الأمر لاحقًا إلى كشف تنظيم بعثي داخل مصر عام 1970، ضم طلابًا وضباطًا في الجيش، وكان يستعد – بحسب ما أُعلن آنذاك – لتجهيز انقلاب للإطاحة بعبد الناصر.
وبعد شهر واحد من اجتماع طرابلس، قبل عبد الناصر مبادرة روجرز، ما فجّر موجة هجوم إعلامي عراقي عليه، واتهامه بالتفريط والخيانة. وردّ عبد الناصر برسالة إلى أحمد حسن البكر اتهم فيها النظام العراقي بالمزايدة والمتاجرة بالشعارات دون تقديم دعم حقيقي للمعركة، وأمر بنشر الرسالة في جريدة الأهرام وإذاعتها عبر إذاعة صوت العرب.
أما جذور الخلاف بين القذافي وعمر المحيشي، فقد كانت كامنة منذ تلك المرحلة، قبل أن تنفجر علنًا عام 1975، عندما حاول المحيشي تنفيذ انقلاب عسكري ضد القذافي. انتهت المحاولة بالفشل، وفرّ المحيشي إلى تونس ثم إلى مصر، حيث عاش في ظل نظام السادات.
خصص له السادات إذاعة موجهة إلى الشعب الليبي، دعا فيها المحيشي إلى الثورة ضد حكم القذافي، وهاجمه بأوصاف حادة، لكن بعد توقيع معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية، أعلن المحيشي اعتراضه عليها، فقام السادات بطرده من مصر عام 1980، فتوجه إلى المغرب لاجئًا سياسيًا.
وفي أواخر عام 1983، عقد الملك المغربي الحسن الثاني صفقة مع القذافي، سُلِّم بموجبها المحيشي إلى ليبيا، مقابل وقف دعم ليبيا لجبهة البوليساريو.
تكشف هذه الوقائع أن الصراع بين عبد الناصر وبعث العراق لم يكن مجرد خلاف عابر بين نظامين، بل كان صراعًا على تعريف العروبة نفسها: هل تُقاس بالشعارات المرتفعة أم بالفعل الميداني؟ هل تُدار المعركة ضد إسرائيل من غرف الإذاعات أم من جبهات القتال؟.
في طرابلس عام 1970 لم يكن الخلاف شخصيًا بقدر ما كان تعبيرًا عن انقسام عربي عميق بين من يتحمل عبء المواجهة ومن يكتفي بإطلاق الأحكام، وبين خطاب يرفع سقف الاتهام، وواقع عسكري يتحمل كلفته طرف واحد تقريبًا.
لقد كانت تلك اللحظة تجسيدًا لأزمة النظام العربي في أوجها: زعامات تتصارع، ومحاور تتشكل، وشعوب تدفع الثمن. ومن قلب ذلك الاحتقان، تتضح حقيقة قاسية مفادها أن أخطر ما واجهته الأمة في تلك المرحلة لم يكن فقط العدو الخارجي، بل الانقسام الداخلي الذي استنزف الجهد، وبدد الطاقات، وأضعف الموقف العربي في لحظة كانت تحتاج إلى أقصى درجات التماسك والوحدة.
اقرأ أيضاالرئيس الإيراني يوجه رسالة لقادة دول المنطقة: العدو لم يترك لنا خيارا آخر
عاجل.. انقطاع الكهرباء في عموم محافظات ومدن العراق
لاريجاني: نتنياهو جر ترامب إلى حرب غير محسوبة والثمن سيكون باهظًا









