أكد الدكتور هاني تمام، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر الشريف، أن قضايا الطلاق والتعدد من أكثر الملفات التي يثار حولها الجدل داخل الأسر، مشيرًا إلى أن الشريعة الإسلامية وضعت لهذه المسائل ضوابط دقيقة ومقاصد واضحة تحفظ كرامة الإنسان، خاصة المرأة، وتضمن استقرار الأسرة وعدم الإضرار بها.
وأضاف أستاذ الفقه بجامعة الأزهر الشريف، خلال حوار مع الإعلامية مروة شتلة، ببرنامج «البيت»، المذاع على قناة الناس، اليوم الجمعة، أن الطلاق التعسفي بلا سبب معتبر شرعًا أمر محرم ويؤاخذ عليه الإنسان شرعًا، لما يترتب عليه من أضرار بالأسرة وبخاصة الأطفال، موضحًا أن الشريعة حرصت على استدامة الزواج والاستقرار الأسري، كما أمرت بالسعي إلى الإصلاح والتحكيم بين الزوجين قبل الإقدام على الطلاق.

وأوضح أن الشريعة الإسلامية كرمت الإنسان تكريمًا عامًا، سواء كان رجلًا أو امرأة، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما النساء شقائق الرجال»، وكذلك قول الله تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم»، مؤكدًا أن المرأة إنسانة مكرمة لها كامل الاحترام والتقدير، ولا يجوز لأحد أن ينتقص من شأنها أو يقلل من مكانتها، لأن الشريعة لا تفضل أحدًا على أحد في الكرامة الإنسانية.
وأشار إلى أن الأحكام المتعلقة بالزواج والطلاق والتعدد هي أحكام شرعية أنزلها الله سبحانه وتعالى، ولذلك يجب فهمها وتطبيقها وفق ضوابط الشرع وليس وفق الأهواء الشخصية، موضحًا أن بعض الناس يظنون أن الطلاق مجرد قرار فردي يمكن اتخاذه في أي وقت، بينما هو في الحقيقة حكم شرعي له أحكام وتفاصيل حددها القرآن الكريم بدقة.
وبيّن أن القرآن أفرد سورة كاملة لبيان أحكام الطلاق وهي سورة الطلاق، التي سماها بعض العلماء «النساء الصغرى»، حيث وضحت أحكام الطلاق قبل وقوعه وأثناءه وبعده، مؤكدًا أن الله سبحانه وتعالى قال بعد بيان هذه الأحكام: «ذلك أمر الله أنزله إليكم»، في إشارة واضحة إلى أن هذه الأحكام ليست اجتهادات بشرية وإنما تشريع إلهي يجب الالتزام به.
وأكد الدكتور هاني تمام أن الطلاق ليس وليد لحظة غضب أو انفعال، فبعض الأزواج عندما تحدث مشكلة يندفع ويطلق زوجته فورًا، وهذا أمر غير صحيح شرعًا، لأن الطلاق له أوقات وضوابط حددها الشرع، كما أن النفوس في لحظات الغضب قد يدخلها العناد والكبر والشيطان، ولذلك كان القرآن يربط أحكام الطلاق دائمًا بالتقوى في قوله تعالى: «واتقوا الله».
وأوضح أن الطلاق إذا تم وفق الطريقة الشرعية الصحيحة التي ترضي الله سبحانه وتعالى قد يكون فيه أجر وثواب، لأن الإنسان حين يلتزم بأحكام الله في أصعب لحظات الخلاف يكون قد اتقى الله، فيكفر الله عنه سيئاته ويعظم له الأجر، أما إذا وقع الطلاق على غير مراد الله وبمخالفة أحكام الشريعة فإنه يترتب عليه الذنب والعقوبة في الدنيا والآخرة.
وفيما يتعلق بالتعدد، أشار أستاذ الفقه بجامعة الأزهر الشريف إلى أن التعدد في الإسلام ليس فرضًا على الرجل وليس ممنوعًا أيضًا، بل هو أمر مباح بشروط وضوابط، موضحًا أن الشريعة لم تترك هذا الأمر بلا قيود، وإنما اشترطت القدرة والعدل وتحمل المسؤولية.
وأضاف أن الزواج في الأصل مباح للناس جميعًا، لكنه قد يختلف حكمه بحسب حال الشخص، فقد يكون مباحًا أو مستحبًا أو حتى محرمًا في بعض الحالات، فإذا كان الإنسان غير قادر على تحمل مسؤولية الزواج أو كان سيظلم زوجته فإن الزواج في حقه قد يكون محرمًا، لأن الظلم حرام وكل ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام.
وشدد على أن الزواج ليس مجرد ارتباط شكلي بين رجل وامرأة، بل هو مسؤولية كبيرة وصفها القرآن الكريم بأنها «ميثاق غليظ»، ولذلك يجب على الإنسان قبل الإقدام عليه أن يكون مؤهلًا لتحمل أعبائه النفسية والمادية والأخلاقية.
وأوضح أن التعدد كذلك تحكمه نفس القاعدة، فهو مباح لمن لديه القدرة والعدل ويحتاج إليه لسبب معتبر، لكنه ليس حقًا مطلقًا يمارسه الرجل بلا ضوابط، بل سيحاسب أمام الله على مدى التزامه بالعدل بين زوجاته ورعايته لحقوق كل منهن.
ولفت إلى أن للمرأة أيضًا حقًا في التعامل مع مسألة التعدد وفق قدرتها النفسية، فإذا كانت لا تستطيع تقبله فلها الحق أن تطلب الطلاق، ولا إثم عليها في ذلك، لأن الشريعة لا تحمل الإنسان ما لا يطيق، لكنها في الوقت نفسه لا تجيز لأحد أن ينكر حكمًا من أحكام الله.
وأكد الدكتور هاني تمام، أن أحكام الشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق العدل والرحمة ومراعاة مصالح الناس جميعًا، وأنها تسع الجميع ولا تظلم أحدًا، مشددًا على ضرورة فهم هذه الأحكام في إطارها الصحيح بعيدًا عن العاطفة أو سوء الفهم، حتى تستقيم حياة الأسر ويعم الاستقرار داخل المجتمع.
اقرأ أيضاًهل يجوز الإفطار لمن سافر من سوهاج إلى القاهرة؟.. أمين الفتوى يجيب
«الكريم ابن الكريم».. خالد الجندي: سورة يوسف سيرة جمال لا تُملّ ومعانٍ تتجدد في كل قراءة
