كيف سيتعامل الاقتصاد المصري مع الارتفاع الدرامي في أسعار الطاقة، عالميًا، إذا استمرت الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران؟، يرتبط السؤال بارتفاع أسعار خام برنت فوق 90 دولارًا للبرميل، وبزيادة تقارب 34% خلال شهر واحد، وأكثر من 31% مقارنة بالعام الماضي، يحدث ذلك نتيجة تعطل حركة الناقلات في مضيق هرمز (يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية) بنسبة تتراوح بين 70% و90% بسبب العمليات العسكرية، يزيد هذا التطور المخاوف في الأسواق ويضغط على الأسعار، لكنه يطرح أيضًا سؤالًا مباشرًا في مصر، وغيرها من دول العالم، حول قدرة الموازنة العامة على التعامل مع هذه القفزة.
كيف سينعكس ارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد خلال الشهور المقبلة؟ موازنة العام المالي 2025/2026 بُنيت على سعر تقديري قدره 75 دولارًا للبرميل، بينما يقفز السعر الآن فوق الـ90 دولارًا، مصر تستورد ما بين 30% و40% من احتياجاتها من المنتجات البترولية المكررة، لذا، فإن كل زيادة في السعر العالمي تنتقل سريعًا إلى فاتورة الاستيراد، الفارق الحالي يتجاوز 17 دولارًا للبرميل، مما يضيف عشرات المليارات من الجنيهات إلى المصروفات الحكومية إذا استمر طوال العام، علمًا بأن النفط لا يبقى داخل قطاع الطاقة فقط، حيث تظهر تكلفته في النقل، الصناعة، الكهرباء، والزراعة، ثم تنتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع في الأسواق، وعليه، فإن التفاعلات العالمية المتعلقة بهذا الملف لا تنفصل عن حسابات الموازنة ومستويات التضخم وغيرها.
تشير تقديرات أولية لخبراء اقتصاديين، بينهم هاني توفيق، إلى احتمال زيادة عجز الموازنة بنحو 75 مليار جنيه نتيجة الفارق بين السعر التقديري للنفط والسعر الحالي في الأسواق العالمية، ما يحتم القراءة الموسعة للخيارات المصرية في هذا الشأن. المبلغ المذكور لا يقتصر على كونه حسابًا ماليًا مباشرًا، بل يعكس ضغوطًا محتملًا على السياسات الاقتصادية والمالية خلال الشهور المقبلة.
الدول المستوردة للنفط تتحمل زيادة فورية في فاتورة الاستيراد، ومصر ضمن هذه الفئة، كل ارتفاع قدره 10 دولارات فوق السعر المفترض في الموازنة، يضيف ما بين 40 و45 مليار جنيه سنويًا إلى المصروفات الحكومية، ويتركز العبء الأكبر في استهلاك المازوت بمحطات الكهرباء والسولار المستخدم في الصناعة والنقل.
تتسارع الضغوط التضخمية عالميًا مع ارتفاع تكاليف الشحن البحري بنسبة تتراوح بين 15% و25% نتيجة اضطرار السفن إلى استخدام مسارات أطول وأكثر كلفة، الزيادة تنتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع الغذائية والصناعية في الأسواق الدولية.
التقديرات تشير إلى احتمال ارتفاع تكاليف الغذاء بنسبة تتراوح بين 8% و12% خلال فترة تمتد من ثلاثة إلى ستة أشهر إذا استقر متوسط سعر النفط فوق 90 دولارًا للبرميل. قطاع الزراعة يتأثر بدوره، إذ ترتفع تكاليف الري والنقل والوقود المستخدم في تشغيل المعدات الزراعية، مما ينعكس لاحقًا على أسعار المنتجات الزراعية.
خصصت موازنة مصر للعام المالي 2025/2026 نحو 75 مليار جنيه لدعم المنتجات البترولية، كما رصدت 75 مليار جنيه أخرى لدعم الكهرباء.
مع الفارق الحالي (حتى الآن، فقط)، في أسعار النفط الذي يقترب من 17.6 دولارًا للبرميل مقارنة بالسعر التقديري، قد يتولد عبء إضافي يتراوح بين 70 و80 مليار جنيه إذا استمرت الأسعار عند هذا المستوى طوال العام المالي.
في هذه الحالة يرتفع العجز الكلي للموازنة من 7% من الناتج المحلي الإجمالي إلى ما بين 8.5% و9%، ما لم تُدخل الحكومة تعديلات مالية أو إجراءات تصحيحية خلال العام.
هذه تفاصيل ضرورية يجب أن يعيها المواطن، ليس بغرض التخويف بل للوقوف على واقع ما يتم حوله في العالم.
وزارة المالية عند الإعلان عن مشروع الموازنة، أعلنت أن مخصصات الدعم توضح ما تتحمله الخزانة العامة نتيجة بيع بعض المنتجات البترولية في السوق المحلية بأسعار تقل عن كلفة توفيرها الفعلية، سواء عبر الإنتاج المحلي أو من خلال استيراد جزء من الاحتياجات من الخارج.
وتشمل هذه المخصصات أيضًا دعم أسطوانة البوتاجاز، إلى جانب دعم المازوت المستخدم في تشغيل المخابز.
وأضافت الوزارة أن تقديرات دعم الكهرباء في مشروع الموازنة العامة تمثل قيمة الفارق الذي تتحمله الخزانة بين كلفة إنتاج الكهرباء وأسعار بيعها للمستهلكين.
وترتبط هذه التقديرات بالزيادة الكبيرة التي شهدتها كلفة إنتاج الكهرباء خلال الفترة الأخيرة، نتيجة مجموعة من المتغيرات الاقتصادية التي أثرت في أسعار الوقود ومدخلات التشغيل.
الارتفاع الحالي في أسعار الطاقة قد لا يمثل صدمة قصيرة الأجل، بل يرتبط بمخاطر جيوسياسية مستمرة في منطقة الخليج (تهديدات بإغلاق كامل لمضيق هرمز أو تعطل إنتاج بعض الدول المصدرة)، تتطلب إجراءات عملية، منها تفعيل عقود تحوط آجلة (اتفاقيات مالية تتيح للشركات تثبيت سعر شراء أو بيع النفط مستقبلًا، لتجنب تقلب الأسعار.
بمعنى آخر، تحدد السعر مقدمًا حتى لو ارتفع أو انخفض لاحقًا، فتضمن استقرار التكاليف والإيرادات)، تغطي ما بين 50% و60% من واردات النفط عند مستوى يتراوح بين 85 و88 دولارًا للبرميل لمدة 6 إلى 9 أشهر، وتسريع سداد مستحقات الشركاء الأجانب في حقول الغاز لزيادة الإنتاج المحلي بنسبة تتراوح بين 5% و8% خلال عام 2026، إلى جانب تخصيص ما بين 10 و15 مليار جنيه لبرامج ترشيد استهلاك الطاقة في القطاعات الصناعية كثيفة الاستخدام.
تؤثر أسعار النفط على عجز الموازنة رغم برامج الإصلاح الاقتصادي لأن الحكومة مازالت تتحمل فروق الأسعار في بعض المنتجات البترولية، خصوصًا السولار والغاز المستخدم في الكهرباء والصناعة.
تحرير سعر الصرف وإعادة هيكلة الدعم خفّضا العبء سابقًا، لكن ارتفاع الأسعار العالمية يرفع تكلفة استيراد الوقود لتشغيل محطات الكهرباء والمصانع. كذلك يعتمد قطاع النقل العام على الوقود المدعوم جزئيًا، ما يجعل أي زيادة في الأسعار تتحول مباشرة إلى ضغط على الموازنة.
رغم خفض دعم المنتجات البترولية بنسبة 51.4% في موازنة 2025/2026 (من 154.5 مليار جنيه إلى 75 مليار جنيه)، يظل التأثير قويًا بسبب اعتماد مصر على استيراد 30 إلى 40% من السولار والمازوت المكرر.
هذه المواد تغطي نحو 40% من تكاليف تشغيل محطات الكهرباء، إضافة إلى الاستخدام الصناعي، فتتضاعف التكاليف فورًا عند تجاوز سعر برنت 90 دولارًا للبرميل.
لجنة التسعير التلقائي جمدت الأسعار المحلية حتى أكتوبر 2026 بعد زيادات سابقة في 2025، ما يترك الفارق على عاتق الموازنة، ومن المتوقع زيادة الدعم الفعلي 20- 30 مليار جنيه إضافية في الربع الأول من 2026 إذا استمر متوسط السعر عند 92 دولارًا.
قطاع النقل العام والزراعة، الذي يستهلك كميات كبيرة من السولار، ينقل جزءًا من التكلفة إلى الموازنة عبر دعم غير مباشر.
الإصلاحات الاقتصادية قلصت الحساسية إلى أسعار النفط بنسبة 55 إلى 60% مقارنة بعام 2016، لكن الاعتماد على الاستيراد يجعل العجز لا يزال عرضة للصدمات الجيوسياسية.
إضافة لذلك، النفط يُسعَّر بالدولار، فإن أي ارتفاع عالمي يزيد الطلب عليه لتغطية فاتورة الاستيراد، وبالتالي سعر الصرف يعمق التأثير، حيث يؤدي ارتفاع الدولار بنسبة 4 إلى 6% مقابل الجنيه إلى زيادة فاتورة الاستيراد بالجنيه 10 إلى 15% إضافية.
عمليًا، تكون هناك آلية تحوط فورية (بدلا من شراء كل الواردات بسعر السوق المفاجئ، الدولة تضمن ما بين 50 إلى 60%، بسعر محدد مسبقًا لمدة 9 أشهر، لو ارتفع السعر العالمي لن تدفع الزيادة على الكمية المغطاة بالتحوط، وإذا انخفض السعر تدفع السعر الفعلي أو تتحمل بعض التكاليف حسب نوع العقد، والموازنة العامة للدولة تتضمن التحوط لمثل هذه الظروف، خاصة فيما يتعلق بالطاقة)، بهدف الحماية من الصدمات الكبيرة في الأسعار، وتخفيف الضغط على الموازنة، مع إعادة تخصيص 12 إلى 18 مليار جنيه من الدعم غير المستهدف نحو برامج كفاءة الطاقة في 3000 إلى 4000 مصنع متوسط، لترشيد استهلاك الطاقة بنسبة 15إلى 25%، كما يشمل البرنامج تسريع اتفاقيات استرداد مستحقات الشركاء الأجانب في حقول الغاز لرفع الإنتاج المحلي بنسبة 6 إلى 8% خلال عام 2026، ما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويخفف الضغط على الموازنة.
انتقال تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لا يقتصر على الموازنة الحكومية، يصل بسرعة إلى الشركات والمصانع وقطاع النقل.
الوقود عنصر أساسي في حركة البضائع، وعندما تزيد تكلفته يرتفع سعر نقل السلع بين المحافظات أو من الموانئ إلى الأسواق، ثم تنتقل الزيادة تدريجيًا إلى أسعار المنتجات النهائية، قطاع الصناعة يتأثر أيضًا، حيث تستخدم مصانع عدة الغاز الطبيعي أو المازوت في الإنتاج، فتزداد تكلفة تصنيع السلع المحلية، حتى المنتجات المستوردة تتأثر بتكاليف الشحن البحري والجوي عالميًا.
ارتفاع سعر برميل برنت يرفع تكلفة السولار والمازوت المحليين بنسبة تتراوح بين 18 و22% خلال أسابيع، حتى مع تجميد الأسعار الرسمية. قطاع النقل البري، خاصة الشاحنات والميكروباصات، يستهلك نحو 28% من إجمالي السولار، ما يزيد متوسط تكلفة نقل طن البضائع بنسبة 12 إلى 15% فورًا، لاسيما الطرق الطويلة (الإسكندرية- أسوان والقاهرة- الصعيد)، السلع الغذائية تتأثر أولاً، فتزيد تكلفة نقل الخضروات والفواكه بين الوجهين البحري والقبلي بنسبة 10 إلى 14%، مما يدفع أسعار الطماطم والبطاطس والبصل في الأسواق المركزية للارتفاع بنسبة 9 إلى 13% خلال شهر إلى شهرين. المنتجات المصنعة مثل الزيوت والألبان والمعلبات تشهد زيادة 6 إلى 9% نتيجة انتقال التكلفة من الموردين.
الضغط يتضاعف في قطاع الصناعة الكثيفة الاستهلاك للطاقة (الأسمنت، الحديد، الأسمدة، والزجاج)، حيث يعتمد نحو 30 إلى 45% من تكاليف الإنتاج على المازوت أو الغاز.
ارتفاع سعر المازوت يزيد تكلفة طن الأسمنت بنسبة 8 إلى 11% وطن الحديد بنسبة 7 إلى 10%، مما ينعكس على أسعار مواد البناء ويبطئ تنفيذ مشروعات البنية التحتية الحكومية، كما يرفع ارتفاع تكلفة الشحن البحري الدولي من آسيا وأوروبا بنسبة 18 إلى 25% أسعار السلع المستوردة (الأجهزة الكهربائية، الملابس، وقطع الغيار)، بنسبة 5 إلى 8% قبل وصولها إلى الموانئ المصرية.
تتوزع الصدمة بشكل غير متساوٍ، حيث تتحمل القطاعات كثيفة الطاقة والنقل البري حوالي 65% من التداعيات، بينما خدمات التجارة الإلكترونية والقطاعات الأقل استهلاكًا للطاقة تتأثر بدرجة أقل.
يمكن إطلاق برنامج دعم مؤقت لتركيب أنظمة كفاءة الطاقة في 4500 إلى 6000 مصنع صغير ومتوسط، بتمويل ميسر بنسبة فائدة 5% يغطي 60% من التكلفة، تفعيل حوافز ضريبية للشاحنات التي تتحول إلى الغاز الطبيعي المضغوط (CNG) لتغطية 25% من التكلفة.
ومن هنا نفهم الرؤية الاستراتيجية للدولة (التى تحرج كل المشككين وفقهاء الأولويات في الإنفاق)، عبر التوسع في خطوط المترو ووسائل النقل العام لتقليل اعتماد السيارات الخاصة بنسبة 8 إلى 12%.
تظهر الرؤية الوطنية لملف النقل العام كأداة استراتيجية لتقليل استهلاك الوقود وتحسين كفاءة الطاقة في مصر.
تطوير شبكة النقل الجماعي يمثل أحد الحلول العملية لمواجهة ارتفاع أسعار البنزين والسولار، إذ كلما زاد اعتماد المواطنين على المترو، الباصات، والقطارات انخفض الاعتماد على السيارات الخاصة والميكروباصات ذات الكفاءة المنخفضة، ما يقلل من استهلاك الوقود في المدن الكبرى ويحد من الضغط المالي على الأسر والشركات.
شبكة النقل العام في القاهرة الكبرى والإسكندرية تشمل المترو، الباصات، المونوريل، وقطار الكهرباء السريع، لكنها لا تزال تواجه تحديًا كبيرًا بسبب الاعتماد المرتفع على المركبات الخاصة في التنقل اليومي.
مع استمرار ارتفاع تكلفة الوقود، يزداد استهلاك النقل البري بنسبة ملحوظة من التكلفة الإجمالية للأسر والشركات، ويظهر دور توسيع النقل الجماعي التى تعتمد على الغاز الطبيعي والكهرباء.
الخط الثالث للمترو يعمل بكامل طاقته، والخط الرابع في مراحل التنفيذ الأولى، مع خطط لتوسيع الشبكة لتغطية المزيد من المسافات بحلول العقد القادم.
الاستثمار المستمر في النقل العام يوفر الطاقة ويقلل التلوث والازدحام، لكنه يحتاج إلى فترة طويلة لتغيير أساليب التنقل بشكل جذري، التأخير في التنفيذ بسبب التمويل والإجراءات البيروقراطية يجعل التأثير قصير الأجل محدودًا أمام صدمات الطاقة، تشمل الحلول العملية تخصيص موازنات لشراء وإنتاج باصات جديدة، توسيع شبكة محطات التعبئة، إطلاق أنظمة تذاكر مدعومة لزيادة عدد الركاب.
استراتيجيا، هذه الاستثمارات تقلل الضغط على استهلاك الوقود وتخفض التكلفة الاقتصادية للطاقة، مع تعزيز استدامة النقل العام وكفاءة الحركة في المدن الكبرى.
تعدد السيناريوهات. أولها، يمكن للدولة امتصاص جزء من صدمة ارتفاع أسعار الوقود عبر الموازنة العامة، بتحمل فرق السعر بين السوق العالمية والسعر المحلي دون نقله مباشرة إلى المواطنين، في هذا السيناريو، تحافظ الحكومة على أسعار الوقود أو ترفعها بشكل محدود، ما يحد من التضخم السريع ويحافظ على استقرار الأسعار مؤقتًا، لكن الخزانة العامة ستتحمل تكلفة مالية كبيرة، وإذا استمرت الأسعار المرتفعة لفترة طويلة قد يزيد عجز الموازنة ويزداد الاعتماد على الاقتراض أو تقليص الإنفاق في قطاعات أخرى، لهذا يُستخدم هذا الخيار غالبًا كحل مؤقت حتى تتضح اتجاهات السوق العالمية.
عمليًا، تختار الحكومة تحمل الجزء الأكبر من زيادة تكلفة الوقود مع إبقاء أسعار البنزين والسولار والمازوت عند مستوياته الحالية، تغطي الموازنة الفارق من خلال زيادة بند الدعم، ما يحد من موجة التضخم، وهو ما سينعكس على متوسط أسعار السلع الغذائية والنقل، ويحافظ على القوة الشرائية للأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط ويخفف الضغط على أجور العمال في قطاعات النقل والزراعة، غير أن التكلفة المالية لهذا الخيار كبيرة، ويرفع العجز الكلي من الناتج المحلي إذا لم يتم تعويضه، ويزيد الحاجة إلى التمويل الخارجي أو الاقتراض المحلي، مما يرفع فوائد الدين العام.
وإن كان مبلغ الـ70 مليار جنيه ليس بسيطًا، لكن يمكن تدبيره نسبيًا من بنود أخرى في الموازنة، خاصة بند المصروفات الحكومية التي يمكن ترشيدها. كما يمكن الاستفادة من تعظيم الإيرادات الضريبية، بجانب أن حزمة التسهيلات الضريبية والجمركية وتعديلات الضريبة العقارية سوف تسهم إلى حد ما في توفير حصيلة جيدة لسد فجوة أسعار الطاقة.
يظل هذا الخيار فعالًا كحل مؤقت لفترة 3 إلى 6 أشهر لامتصاص الصدمة الأولية، مع تخصيص 20 إلى 25 مليار جنيه من احتياطيات الطوارئ أو إعادة توجيه الإنفاق الرأسمالي غير الملح، إضافة إلى إطلاق حملة توعية لترشيد استهلاك الطاقة بنسبة 10 إلى 15% في المنازل والمؤسسات لتخفيف الضغط على الدعم الحكومي، لكنه غير مستدام إذا استمر التوتر الجيوسياسي لأكثر من عام، حيث يعرض الموازنة لمخاطر أكبر خاصة مع ارتفاع أسعار الفائدة العالمية.
السيناريو الثاني يعتمد على تعديل أسعار الوقود تدريجيًا لنقل جزء من التكلفة إلى السوق المحلية وتقليل الضغط على الموازنة، يتم تطبيق هذا الخيار بشكل تدريجي حتى لا تحدث صدمة اقتصادية كبيرة، عبر مراجعة لجنة التسعير التلقائي للوقود للأسعار بشكل دوري، وتحديد مقدار الزيادة أو التخفيض بوتيرة محسوبة شهريًا أو ربع سنوية، في هذا الإطار، يظل المازوت المستخدم للكهرباء مدعومًا نسبيًا، ما يساعد على الحد من العبء المالي على الحكومة بسرعة.
الميزة الأساسية لهذا التدرج هي تقليل الحاجة إلى دعم إضافي، إذ يقتصر الزيادة في الدعم على 10إلى 15 مليار جنيه في النصف الأول من 2026، مقارنةً بـ35 إلى 45 مليار جنيه في سيناريو الامتصاص الكامل، هذا المسار يحافظ على برنامج خفض الدعم السنوي، من 75 مليار إلى أقل من 50 مليار جنيه بحلول 2027/2028، ويعزز الثقة في قدرة المالية العامة على التحكم في العجز. في المقابل، ينتقل جزء من التكلفة إلى السوق المحلية، ما يرفع تكلفة النقل ويؤثر على أسعار السلع الغذائية والمنتجات الصناعية، ويضغط على القوة الشرائية للأسر ذات الدخل المنخفض، خصوصًا في المناطق الريفية والصعيدية حيث يعتمد النقل على الميكروباصات والشاحنات الصغيرة.
التدرج يقلل الصدمة مقارنة بالرفع الفوري الكبير كما حدث بين 2014 و2016، لكنه يطيل فترة التضخم المستمر وقد يثير استياءً اجتماعيًا إذا لم يقترن بدعم موجه، لذلك ترتبط كل زيادة سعرية مقترحة بزيادة فورية في التحويلات النقدية لبرنامج «تكافل وكرامة»، بنسبة تحددها الدولة وفق قدراتها، لضمان حماية الأسر المستفيدة من البرامج الاجتماعية، كما يشمل السيناريو التوسع في برامج النقل الجماعي المدعوم، لتقديم تذاكر مناسبة للعاملين في القطاعات الحكومية والخاصة الصغيرة، وتقليل الاعتماد على وسائل النقل الفردية.
تشمل الإجراءات أيضًا تخصيص ميزانية لتحويل حافلات النقل العام إلى الغاز الطبيعي المضغوط (CNG) خلال 12 شهرًا، ما يقلل من تكلفة التشغيل ويساهم في ضبط الأسعار، يتيح هذا السيناريو حماية الموازنة العامة من تضخم العجز، لكنه يرفع تكلفة النقل والإنتاج جزئيًا، ما قد يؤدي إلى زيادة أسعار السلع، لذلك تحتاج الحكومة إلى موازنة دقيقة بين حماية المالية العامة والحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين، لضمان استقرار الاقتصاد وعدم التأثير المفرط على الأسر ذات الدخل المحدود.
ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا يدفعنا للتوقف أمام دور السياسة النقدية في مواجهة التضخم، حيث يصبح البنك المركزي المصري لاعبًا رئيسيًا في إدارة الأزمة، السياسة النقدية يمكن أن تستخدم أدوات كأسعار الفائدة للحد من ارتفاع الأسعار، حيث يقلل رفع الفائدة من الطلب في الاقتصاد ويخفف الضغوط التضخمية، ومع انتقال صدمة النفط إلى التضخم المحلي، يتحمل البنك مسئولية كبح الارتفاع المتوقع في مؤشر أسعار المستهلكين، الذي قد يضيف 4 إلى 7 نقاط مئوية خلال العام الجاري إذا لم يُتخذ أي إجراء.
أداة رفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل قد يراها البعض أكثر فاعلية، من خلال زيادة سعر الإيداع والإقراض لليلة واحدة بين 150 و250 نقطة أساس، من مستوى 27.25% حاليًا إلى 28.75-29.75% خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية المقبل، قد يدفع هذا الرأي بأن الإجراء يقلل الطلب الكلي ويبطئ دوران النقود، ويحد من انتقال صدمة الطاقة إلى الأسعار بنسبة 40 إلى 50% من التأثير المتوقع، لكن لرفع الفائدة آثار جانبية واضحة: ارتفاع تكلفة الاقتراض يضغط على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل نحو 70% من التوظيف، ويقلل الاستثمار الجديد بنسبة 10 إلى 15%.
وفيما يبطئ هذا الخيار نمو الناتج المحلي، ويزيد عبء خدمة الدين الحكومي المحلي، فإن السياسة النقدية وحدها لا تكفي لمواجهة صدمة عرضية ناتجة عن الطاقة، لأنها تركز على الطلب أكثر من العرض، مما يتطلب مزيج من الإجراءات (رفع محدود للفائدة في البداية، مع أدوات غير تقليدية: زيادة متطلبات الاحتياطي الإلزامي على الودائع بالجنيه لسحب السيولة الزائدة، إصدار سندات قصيرة الأجل بفائدة مرتفعة لجذب السيولة، وتنسيق مع وزارة المالية لتوجيه جزء من الاحتياطيات لدعم استيراد سلع أساسية بأسعار ثابتة، خاصة القمح والزيوت التي تشكل 45% من سلة المستهلك)، مما يوازن بين السيطرة على التضخم وحماية الاستثمار والنمو.
تظل زيادة الإنتاج المحلي من الطاقة محورًا أساسيًا لتقليل الاعتماد على الاستيراد، إذ يقلل من تأثير تقلبات الأسعار العالمية على الاقتصاد.
تستهدف وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية زيادة الطاقة التكريرية للنفط الخام بنحو 9% خلال 2026، للوصول إلى 37 مليون طن، بما يعادل زيادة في كميات التكرير تقارب 3 ملايين طن سنويًا، الهدف من هذه الزيادة هو تقليل الفجوة بين إنتاج واستهلاك المحروقات، الذي يرتفع بنحو 5% سنويًا، ووفق بيانات الهيئة المصرية العامة للبترول، وفرت شحنات من المواد البترولية في 2025 بحمولة تقارب 24.75 مليون طن لتغطية احتياجات القطاعات المختلفة، بينما بلغ إجمالي استهلاك السوق المصرية نحو 55 مليون طن، ووفرت المصافي نحو 30.25 مليون طن فقط، ما يوضح حجم الفجوة ويستدعي تسريع خطط الاستكشاف وزيادة الإنتاج.
خلال يناير 2026، تراوح إنتاج مصر من النفط بين 515 و525 ألف برميل يوميًا، فيما تحتاج المصافي إلى 750-800 ألف برميل يوميًا، مما يؤكد ضرورة رفع معدلات الإنتاج لتغطية الطلب المحلي. بلغت فاتورة واردات النفط الخام الشهرية نحو 15 إلى 20 مليون دولار، وهو ما دفع وزارة البترول لتنفيذ مشروعات تطوير التكرير والتصنيع باستثمارات تجاوزت 10 مليارات دولار. ومن المتوقع أن ترفع هذه المشروعات الطاقة التكريرية للمصافي إلى نحو مليون برميل يوميًا بحلول عام 2030، ما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويواكب الزيادة السنوية في استهلاك الوقود.
توقعت وكالة «فيتش»، زيادة إنتاج الغاز المصري خلال العام الجاري بعد الانخفاض المسجل العام الماضي، حيث يُتوقع أن يصل الإنتاج إلى 46.6 مليار م³ مقارنة بـ43.1 مليار م³ العام السابق، مدفوعًا باستئناف الحفر في حقل ظهر وتدشين المرحلة الثانية من مشروع ريفن، مع تفاؤل بالنمو نتيجة موجة اتفاقيات الاستكشاف والتزامات الحفر من الشركات الكبرى، مع إمكانات كبيرة للتنقيب بالتزامن مع طرح عدة جولات تراخيص جديدة. وعلى المدى الطويل، يتوقع ارتفاع الإنتاج تدريجيًا بمعدل متوسط 2.7% سنويًا بين 2026 و2035، مدعومًا ببرنامج تقييم 5 آبار في حقل «ظهر»، الذي يعزز القدرة الإنتاجية. لتعزيز ثقة المستثمرين، تسعى الحكومة لتسوية المتأخرات المستحقة لشركات النفط والغاز، حيث سددت نحو 5 مليارات دولار وتتجه لسداد الـ1.2 مليار دولار المتبقية بحلول يونيو 2026.
ومع ذلك، يبقى الاعتماد على الاستيراد في المنتجات المكررة «السولار، المازوت، والبنزين» مرتفعًا، ما يجعل الاقتصاد المصري حساسًا لتقلبات أسعار الطاقة العالمية. زيادة الإنتاج المحلي من الغاز والنفط تقلل هذا الاعتماد، وتحد من المخاطر المالية المرتبطة بارتفاع أسعار الوقود، كما تسهم في تقليل الضغط على الموازنة وخفض فاتورة الاستيراد.الاستثمار المستمر في حقول الغاز في شرق المتوسط «ظهر، نور، وأتول»، يضمن استقرار الإمدادات، ويدعم احتياجات محطات الكهرباء، ويحد من الحاجة لاستيراد الوقود.
تمثل الطاقة المتجددة أحد المسارات الأكثر استقرارًا على المدى الاستراتيجي في مواجهة تقلبات أسعار النفط والغاز. يعتمد إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح على موارد طبيعية محلية مصرية. ويعد هذا التحول فرصة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري (الفحم، النفط، والغاز الطبيعي) وتخفيف الضغط المالي الناتج عن استيراد الطاقة أو دعمها. تمتلك مصر إمكانات واسعة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتقع ضمن الحزام الشمسي العالمي، حيث تسجل مستويات إشعاع شمسي سنوي تتراوح بين 2000 و3200 كيلووات ساعة لكل متر مربع، وهو نطاق مرتفع يمنحها ميزة تنافسية في إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية على نطاق واسع.
يدعم هذا الموقع الجغرافي توجه الدولة نحو توسيع الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة ضمن استراتيجية الطاقة المستدامة حتى عام 2040، التي تستهدف رفع حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة إلى 42% بحلول عام 2030 ثم إلى نحو 65% بحلول عام 2040. تشمل هذه الاستراتيجية التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح إلى جانب تطوير مشروعات الهيدروجين الأخضر، بهدف تنويع مصادر الطاقة وتعزيز قدرة مصر على تلبية الطلب المحلي والتصدير إلى الأسواق الإقليمية.
يأتي مجمع بنبان للطاقة الشمسية في أسوان في مقدمة هذه المشروعات بقدرة إنتاجية عالية، ويسهم في خفض الانبعاثات الكربونية بما يعادل سحب عدد كبير من السيارات من الطرق. كما تعمل مصر على تطوير مشروعات الربط الكهربائي مع عدد من الدول العربية والأوروبية، ما يفتح المجال أمام تصدير الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة ويعزز موقعها كمركز إقليمي للطاقة النظيفة. وتمتلك مصر إمكانات كبيرة في مجال الطاقة المتجددة، حيث تتجاوز القدرات النظرية للطاقة الشمسية وطاقة الرياح مستويات ضخمة مقارنة بالاستهلاك الفعلي، فيما تعكس الصحراء الغربية وحدها إمكانات هائلة للطاقة، إضافة إلى موارد للطاقة الشمسية العائمة، وهو ما يعكس حجم الموارد المتاحة لمصر في مجال الطاقة النظيفة.
وتطرح الحكومة حزمة من الحوافز لجذب الاستثمارات إلى قطاع الطاقة المتجددة، تشمل تخصيص الأراضي اللازمة للمشروعات، وضمان شراء الكهرباء المنتجة من قبل الدولة، وتخفيض الرسوم الجمركية والضرائب المرتبطة بالمعدات والتكنولوجيا المستخدمة في المشروعات، إلى جانب تسهيل إجراءات تراخيص الإنتاج وتشجيع الاستثمار في أنظمة تخزين الطاقة لدعم استقرار الشبكة الكهربائية. كما تضع وزارة الكهرباء أولوية لتطوير البنية التحتية للشبكات وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، بهدف تقليل الفاقد في النقل والتوزيع وضمان استدامة إمدادات الكهرباء. وإلى جانب مجمع بنبان الشمسي، دخلت مشروعات رياح جديدة مرحلة التشغيل التجريبي في عدد من المواقع في صعيد مصر والساحل الشمالي الغربي، نتيجة انخفاض تكلفة إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح إلى مستويات تنافسية مقارنة بمصادر الطاقة التقليدية، ما يعزز جدوى التوسع في هذه المشروعات.
يلعب القطاع الخاص دورًا محوريًا في التكيف مع ارتفاع تكلفة الطاقة، إذ يمكن للشركات تقليل استهلاك الوقود والكهرباء من خلال الاستثمار في كفاءة الطاقة. تساعد التكنولوجيا الحديثة أيضًا في تقليل الهدر في عمليات الإنتاج والنقل، ما يعزز القدرة التنافسية ويخفف الضغط على المصانع والمباني التجارية. هذه الاستثمارات ليست مهمة فقط لتوفير التكاليف، بل تساهم أيضًا في دعم استدامة الطاقة وتقليل الانبعاثات البيئية.
القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الصناعات التحويلية والنقل والتجارة، تواجه زيادة ملحوظة في تكاليف التشغيل، ويعاني من ذلك بشكل خاص المصانع الصغيرة والمتوسطة التي تجد صعوبة في تمرير التكلفة الكاملة إلى الأسعار دون التأثير على حصتها السوقية. الاستثمار في كفاءة الطاقة يقلل استهلاك الكهرباء والوقود، لكنه يتطلب تكلفة أولية مرتفعة، إضافة إلى محدودية التمويل الميسر ونقص الخبرة الفنية في المنشآت الصغيرة، ما يبطئ وتيرة التنفيذ.
يمكن للقطاع الخاص امتصاص جزء كبير من الصدمة إذا حصل على الدعم المناسب، سواء من خلال الحوافز المالية المباشرة أو التسهيلات الحكومية. تشمل الحلول العملية إطلاق برنامج “كفاءة طاقة صناعية” بتمويل مشترك بين بنوك التنمية والبنوك التجارية، يقدم قروضًا لتركيب أنظمة توفير الطاقة مع إعفاءات جمركية وضريبية محددة، وإلزام الشركات الكبرى بإجراء تدقيق طاقة مدعوم جزئيًا، وربط الحصول على تراخيص التوسع أو التصدير بتحقيق نسب محددة من التوفير خلال فترة زمنية محددة. هذه الإجراءات تتطلب استثمارات أولية، لكنها توفر تكلفة كبيرة على المدى الطويل وتزيد قدرة القطاع الخاص على مواجهة تقلبات أسعار الطاقة.
يستشعر المواطن العادي تأثير ارتفاع أسعار الطاقة عبر زيادة تكاليف السلع والخدمات، ما يجعل إدارة الإنفاق الأسري أكثر أهمية خلال فترات التضخم. يمكن للأسر تقليل العبء المالي عبر خفض استهلاك الكهرباء والوقود، مثل إطفاء الأجهزة غير المستخدمة واستبدال المصابيح التقليدية بمصابيح LED، بالإضافة إلى الاعتماد على وسائل النقل الجماعي بدل السيارات الخاصة في التنقل اليومي، ما يقلل النفقات بشكل ملموس. إعادة ترتيب ميزانية الأسرة وفق قاعدة معدلة لتوزيع الإنفاق على الاحتياجات الأساسية، النقل والطعام، والادخار والديون تساعد في التحكم بالتكاليف الشهرية بطريقة منظمة.
مع ذلك، التكيف الفردي وحده لا يعوض عن نقص الدعم الحكومي الموجه، خصوصًا للأسر ذات الدخل المنخفض التي تحتاج إلى تدخلات خارجية إضافية. تشمل الحلول العملية تحميل تطبيقات لتتبع المصروفات وتحديد نقاط الهدر، إلى جانب تخصيص نسبة من الدخل الشهري لصندوق طوارئ يغطي زيادات الأسعار المفاجئة. هذه الإجراءات تساعد الأسر على مواجهة صدمات الطاقة المؤقتة وتقليل الضغط المالي اليومي، مع تعزيز وعي الاستهلاك وتحسين إدارة الموارد المالية على المدى الطويل.
أسواق النفط تتأثر بشكل كبير بالتوتر الجيوسياسي في المناطق المنتجة، مما يؤدي إلى تقلب الأسعار وصعوبة التخطيط الاقتصادي. سيناريوهات الحرب الحالية على أسواق الطاقة: الأول التصعيد المحدود، حيث تبقى الأسعار مرتفعة بشكل معتدل ويكون العبء على الموازنة متوسطًا، مع تقلبات أسبوعية في السوق. الثاني أكثر تشاؤمًا ويشمل توسع النزاع أو تعطيل الإمدادات، ما يؤدي إلى قفز الأسعار وارتفاع التضخم وضغوط كبيرة على الموازنة والاقتصاد.
حذّر صندوق النقد الدولي من تداعيات الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، وأنها قد تشكّل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي. يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، وأي اضطراب في حركة الملاحة أو الإمدادات ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة. ويؤدي تعطل الإمدادات إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، مما يخلق صدمة تضخمية في الدول المستوردة للطاقة. من المرجح أن يشهد العالم دورة جديدة من تشديد السياسة النقدية. هذا المسار قد يعمّق الفجوة بين الاقتصادات القادرة على جذب رؤوس الأموال، وبين الاقتصادات الناشئة التي تواجه ضغوطًا متزايدة على عملاتها وميزانياتها العامة.
هذا السيناريو يضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة. فارتفاع أسعار الطاقة يرفع كلفة النقل والإنتاج ويغذّي التضخم، الأمر الذي يدفع العديد من البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية عبر رفع أسعار الفائدة للحد من ارتفاع الأسعار. حذّر صندوق النقد الدولي من أن الحرب الأمريكية-الإيرانية حول مضيق هرمز تهدد الاقتصاد العالمي عبر ارتفاع أسعار الطاقة (النفط والغاز)، وتستفيد الولايات المتحدة بعدة طرق عندما ترفع البنوك المركزية حول العالم أسعار الفائدة. أول هذه الفوائد يتمثل في تعزيز جاذبية الدولار عالميًا، إذ تتجه رؤوس الأموال الدولية إلى الأصول المقومة بالدولار مثل السندات الحكومية الأمريكية بحثًا عن عائد أعلى وأكثر استقرارًا. هذا التدفق المالي يدعم الطلب على الدولار ويمنح الاقتصاد الأمريكي قدرة أكبر على تمويل عجز الموازنة والدين العام بتكلفة أقل نسبيًا مقارنة بغيره من الاقتصادات، كما يعزز مكانة النظام المالي الأمريكي بوصفه مركزًا رئيسيًا لحركة رؤوس الأموال العالمية.
يؤدي ارتفاع الفائدة في الاقتصادات الأخرى إلى إبطاء النمو الاقتصادي في كثير من الدول النامية والناشئة، لأن تكلفة الاقتراض ترتفع على الحكومات والشركات والأفراد.هذا التباطؤ قد يقلل الطلب العالمي على السلع والطاقة، لكنه في الوقت نفسه يدفع العديد من الدول إلى الاحتفاظ باحتياطيات أكبر من الدولار لتأمين استقرار عملاتها وسداد ديونها الخارجية. وبهذه الطريقة تظل الولايات المتحدة في موقع متميز داخل النظام المالي الدولي، حيث يستمر الدولار في أداء دوره كعملة احتياط رئيسية وكأداة أساسية في التجارة والتمويل العالميين، وهو وجه آخر مسكوت عنه في فوائد الحرب لمن يشعلها.
السيناريو الإيجابي يعتمد على تهدئة سريعة وتراجع الأسعار إلى مستويات مقبولة، مما يسمح بتخفيف دعم الطاقة تدريجيًا. الاستراتيجية العملية تتمثل في الاعتماد على السيناريو الأساسي مع بناء احتياطي استراتيجي، استخدام عقود آجلة وخيارات لتغطية جزء من الاستيراد، ووضع خطة طوارئ لتوزيع الوقود ومراقبة التطورات اليومية لضمان استقرار الاقتصاد.الأزمات الدولية تعيد تذكّير الحكومات بأهمية وجود اقتصاد قادر على امتصاص صدمات الطاقة، حيث يصبح التخطيط المرن أساسيًا لضمان الاستقرار المالي والاقتصادي. يعتمد هذا على تنويع مصادر الطاقة وزيادة الإنتاج المحلي وتحسين كفاءة الاستهلاك، إلى جانب إدارة الموازنة العامة بحذر لمنح الدولة مساحة للتحرك عند ارتفاع أسعار الوقود أو حدوث اضطرابات في الإمدادات.
الاستراتيجية المرنة تقوم على ثلاثة محاور مترابطة: أولاً، تنويع مصادر الطاقة لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي. ثانياً، بناء احتياطيات استراتيجية وآليات تحوط مالي لامتصاص الصدمات الأولية دون الضغط على الموازنة. ثالثاً، إدارة مالية احترازية تشمل خفض الإنفاق غير المنتج، زيادة الإيرادات غير الضريبية، وتوسيع الدعم الموجه بدلاً من العام لضمان وصول المساعدة لمن يحتاجها فعليًا.
ارتفاع سعر برميل برنت إلى 92.6 دولار يمثل اختباراً حاسماً لمرونة الاقتصاد المصري في بيئة دولية شديدة الاضطراب. الحكومة تمتلك أدوات متعددة للاستجابة (تعديل تدريجي لأسعار الوقود عبر لجنة التسعير التلقائي مع دعم موجه للفئات الضعيفة. تسريع ترشيد الاستهلاك وكفاءة الطاقة في الصناعة والمنازل. توسيع الاستثمار في الطاقة المتجددة والغاز المحلي لتقليل الاعتماد على الاستيراد.تعزيز التحوط المالي -عقود آجلة، احتياطي استراتيجي- لتخفيف الصدمات المستقبلية).
النجاح يعتمد على التوازن الدقيق بين حماية الاستقرار المالي العام (تجنب توسع العجز) وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة أن المشهد العالمي لايزال مفتوحا على سيناريوهات درامية، وعليه، فالسياسات الاقتصادية تحتاج إلى درجة عالية من المرونة، الاستباقية، والتنسيق بين المالية، المركزي، مع تسريع التحول نحو إنتاج محلي متنوع وكفاءة استهلاك عالية.
اقرأ أيضاًلاريجاني: إيران أعدت نفسها لحرب طويلة الأمد بعكس الولايات المتحدة
ضربات جوية تستهدف مقار فصائل عراقية في منطقة جرف الصخر شمالي محافظة بابل
جيش الاحتلال: سنهاجم بنى تحتية عسكرية تابعة لحزب الله في لبنان









