مقالات

كان ياما كان – الأسبوع

مسلسل يضع الملح فوق الجرح، حيث استطاع الممثل الكبير ماجد الكدواني في هذا العمل تقديم شخصية الأب الحنون المتفاني، المتحمل للمسئولية في إطار شخصية طيبة وهادئة هي «الدكتور مصطفى»، لكنه رغم كل هذه الميزات النبيلة أخفق في احتواء زوجته بما يكفي، مما دعاها للجوء إلى طبيب نفسي ظلت تتابع معه لسبعة أعوام كاملة، أي نصف عمر حياتهما معا، وهي تعاني من حالة اكتئاب ورغم هذا لم ينتبه زوجها للأمر!.

أما يسرا اللوزي، التي جسدت دور «داليا» الزوجة التائهة التي لا تعرف ماذا تريد، والتي لطالما علقت إحساسها بالفشل على شماعة الزواج، امرأة صامتة لا تستطيع أن تعبر عن أفكارها ومشاعرها ومشاكلها، ظلت تنغلق على نفسها في وحدتها حتى تكتئب وتضطرب ثم تنفجر لتخرب حياتها وحياة أسرتها، ما يؤكد قيمة أن يكون حوارًا مفتوحًا ومتواصلا بين الزوجين، وأن تكون هناك أشياء مشتركة يحبها الطرفان ويتشاركان في فعلها، وأن يسعى كل منهما جاهدا أن يأخذ بيد الآخر لينجحا معا، فنجاح طرف وحده قد يشعر الطرف الآخر أنه أقل قدرًا وأكثر تضحية، حتى وان لم يكن ذلك حقيقيا.

«كان ياما كان» مسلسل مرهق جدا، رغم خلوه من أية مشاهد عنف، فهو يعبر عن حالة التشتت والصراع النفسي الذي يعيشه أبطال العمل كل منهم منفردا متوحدا مع مشكلته وأزماته وانكساراته دون أن يكون له داعم حقيقي أو سند يشعر معه بالأمان، وهنا الكثير من الإشارات التي نبه إليها المسلسل حين أشار لعلاقات فاشلة حاولت الزوجة المطلقة اللجوء إليها كنوع من البحث عن الدعم النفسي للنجاح أو عدم الإحساس بالوحدة، في الوقت الذي يوضح كيف يتعامل الرجل الشرقي مع امرأة مطلقة تشعر بالفشل، فهو يراها إما «صاحبة» في الظل، أو «زوجة عرفي» تبقى هي أيضا في الظل..

وأشار المسلسل للابنة التي اضطرت للكذب على أمها للقاء زميلها الذي شعرت منه بالاهتمام والمتابعة بينما تفتقد ذلك في ظل علاقة أسرية مضطربة مليئة بالمشاحنات والمفاجآت غير السارة، هذا الدور المعقد ينبئ بمولد موهبة واعدة تلك الفتاة الجميلة التي جسدت دور «فرح» الممثلة الشابة ريتال عبد العزيز، الابنة التي حارت بين والدين تحبهما وترتبط بهما وترى في قربها من كليهما استكمالا لمشاعرها وروحها وذاتها، وتعاني من غياب أحدهما فتعيش نقصا لوجودها وكيانها، لذا تستعر نيران فراقهما داخلها بينما تحاول أن تلتمس لكل من أبيها وأمها الأعذار، فتنجر نحو أبيها مرة، وباتجاه أمها مرة أخرى، بينما تعيش ممزقة بين شخصين كانت تراهما كيانا واحدا اعتادت على الحياة في كنفه كوطن آمن وفجأة، تشتت الوطن وشرد أهله بين أقسام الشرطة والمحاكم والأوجاع التي لا أول لها ولا آخر..

كان ياما كان، مسلسل يسكب الملح على جراح مئات الآلاف من الأبناء الذين شردتهم قرارات الطلاق وصراعات ونزاعات النيابات والمحاكم، دون أن ينتبه الآباء والأمهات لجريمة كبرى يرتكبونها في حق أبنائهم وبناتهم، خاصة إذا كان الأب غير مسئول كما حدث في حكاية ابنة الخالة التي فضّلت أن تعيش حياة «المساكنة» وقبلت أن تكون مجرد «صاحبة» لرجل أيقن بعد فترة أنها لا تصلح أن تكون زوجة بعد رفضها الزواج منه مرارا وإصرارها على «مصاحبته» دون أدنى اعتبار لدين أو تقاليد مجتمع أو غضب أمها ومقاطعتها لها.

وهنا أود أن أشير إلى أن أكثر من عمل درامي تحدث عن فكرة المساكنة في سياق العمل ككل، وهو أمر بالغ الخطورة أخشى أن تكون الإشارة إليه كفكرة، حتى ولو بالنقد، في أكثر من عمل درامي بمثابة تمريره في مجتمعاتنا العربية كما حدث في العديد من الأعمال الدرامية السابقة التي تناولت بعض الأفكار «المبتذلة» والموبوءة والعنيفة، التي كان ظهورها على شاشاتنا بمثابة الصدمة للمشاهد في البداية حتى اعتدنا عليها وكأنها أصبحت أمرا عاديا في حياتنا.

سيناريو كتبته شيرين دياب يحمل بصمات مدرسة الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس، مدرسة تشريح المشاعر والغوص في أغوار النفس البشرية، بينما كان للمخرج كريم العدل بصمته في إظهار العديد من اللقطات لتفاصيل صغيرة لكنها معبرة جدا، مثل أنف «مصطفى» الأب، طبيب الأطفال، تلك الأنف البلاستيكية الحمراء التي كانت يرتديها لمداعبة الأطفال المرضى وكسر الحاجز بين الطبيب والطفل، جاءت في مشهد وقد وضعت في حالة انكسار وحزن على مكتبه، فلم يعد يرتديها في دلالة على حجم أوجاعه التي انعكست على أدائه في عمله.

النهاية المفتوحة للمسلسل أكدت على استمرار الصراع النفسي للأبناء طالما أن النزاعات القانونية والإنسانية مازالت مستمرة.

في نهاية هذا المقال فعلينا أن نطالب الحكومة بوضع برامج توعية وإرشادية في المدارس والجامعات تؤكد على قيمة الأسرة والعائلة والترابط والتراحم، وأن تكون هناك برامج حقيقية لكل المقبلين على الزواج، والطلاق أيضا، الأول: ليدرك الشباب ما هم مقبلون عليه من مسؤوليات، وأن الزواج ليس تجربة إما تنجح أو تفشل.

والثاني: برامج مقابلات قبل المثول أمام محاكم الأسرة ربما نستطيع تخطي عقبات تحفر ذكرياتها في نفوس الأبناء مستقبلا.

رسالتي إلى كل مسئول في وطننا، مدرس، صحفي، كاتب، مخرج، الأسرة هي مفتاح الأمن القومي للأوطان، وهي الدرجة الأولى للحفاظ على سلامة المجتمع، ودورنا جميعا أن نستثمر فيها، أن نتحدث عن قيمتها وأهميتها.

على كل زوج وزوجة، كل أب وأم، وكل شاب وفتاة أن يدركوا أن الزواج مسئولية كبيرة فإن لم يستطع أحدهم تحملها أو معرفة خطورتها وانعكاساتها بالسلب أو الإيجاب على المجتمع بل وعلى الأمن القومي للأوطان، فعليهم أن يتأنوا ويسألوا ويتعلموا كيف يكونوا أزواجا وزوجات ليسوا صالحين فقط بل متصالحين أيضا مع أنفسهم ومع بعضهم البعض، حتى يكونوا آباء وأمهات على قدر المسئولية للحفاظ على نعمة كبيرة وهبنا الله إياها والزمنا بضرورة الحفاظ عليها وإعدادها الإعداد السليم لاستكمال رسالتنا البشرية، وإصلاح علاقتنا الإنسانية ونشر تعاليم الخير والجمال والعمل والإخلاص عن طريق تربية أجيال متزنة صحيا ونفسيا، أجيال واعية بقدر مسئولياتها ومستقبلها، ومستقبل هذا الوطن العظيم.

اقرأ أيضاًتفاصيل الحلقة 11 من مسلسل كان ياما كان.. ماجد الكدوانى يكتشف علاقة سيف ومايا

مسلسل «كان ياما كان».. موعد عرض الحلقة 14 والقنوات الناقلة

مسلسل كان ياما كان الحلقة الأخيرة.. يسرا اللوزي ترفع قضية على ماجد الكدواني

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts