بينما تنشغل رادارات العالم بتتبع مسارات المسيرات والصواريخ الباليستية، كانت هناك “مُسيرة” من نوع آخر تقلع من أروقة الحوزة العلمية في قُم لتستقر في قلب القرار السياسي بطهران.
إن إعلان لجنة الخبراء عن اختيار مجتبى خامنئي كخيار قوي لخلافة والده، ليس مجرد إجراء إداري لتنظيم بيت الحكم، بل هو “برقية عاجلة” مشفرة بالدم والسياسة، موجهة بالأساس إلى البيت الأبيض والكنيست الإسرائيلي.
لقد راهنت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على لحظة “الفراغ السيادي” التي قد تلي غياب المرشد الحالي، آملة في صعود تيار “إصلاحي” يعيد صياغة الاتفاق النووي والانصياع غير المشروط للغرب.
جاء إختيار مجتبى ليصفع هذه الرهانات، فمجتبى ليس مجرد “ابن المرشد”، بل هو “رجل الظل” القوي الذي أدار لسنوات طويلة ملفات التنسيق بين مكتب المرشد والحرس الثوري.
الرسالة هنا واضحة: “إيران القادمة هي إيران أكثر راديكالية، أكثرتنظيماً، وأقل قابلية للاختراق” مجتبى يمثل “الاستمرارية الصلبة” وهو ما يعني أن واشنطن ربما تواجه “نسخة محدثة” وأكثر شباباً من المقاومة و الصمود الإيراني.
بالنسبة لتل أبيب، يمثل مجتبى خامنئي كابوساً من نوع خاص فإذا كان والده هو صاحب رؤية “إزالة إسرائيل من الوجود”، فإن مجتبى وفقا للمصادر العلنية هو الذي أشرف عملياً على “هندسة الأذرع” في المنطقة، و صعوده يعني أن “وحدة الساحات” ليست استراتيجية عابرة، بل هي عقيدة ثابتة في عهد “المرشد بنسخته الجديدة “.
نتنياهو الذي يتبجح بضرب مااسماه “رأس الأفعى” في طهران، يجد نفسه اليوم أمام “رأس جديد” نشأ في غرف العمليات الاستخباراتية، ويمتلك علاقات قوية مع قيادات الفصائل في لبنان وغزة واليمن..
إختيار مجتبى هو رد إيراني على “الاغتيالات التى طالت فيما طالت والده “، وكأن طهران تريد أن تقول: “تغتالون القادة، فنصعد بمن هم أكثر تمسكاً بمشروع المقاومة”.
العالم الذي كان ينتظر “انفجاراً داخلياً” في إيران عند انتقال السلطة، صُدم الليلة بترتيب البيت الداخلي بهذه السرعة والسرية ليرسل الرسالة الأهم.
مجتبى خامنئي يحمل في جعبته “كشف حساب” يثبت قدرته على ضبط التوازنات بين “المؤسسة الدينية” و”المؤسسة العسكرية”.. هو إختيار ربما ينهي الجدل حول “صراع الأجنحة”، ويقدم للعالم إيران “الموحدة خلف القيادة”، وهي رسالة اقتصادية وسياسية شديدة القوة مفادها أن العقوبات لم تكسر إرادة الدولة، بل صهرتها في بوتقة نظام لا يقبل الانكسار، وعلى الجميع أن يختار مسارا آخر غير القوة.
إن صعود مجتبى خامنئي ليس توريثاً بالمفهوم التقليدي، بل هو ربما نسمه “تكليف قتالي” في مرحلة مفصلية من تاريخ الشرق الأوسط، و السؤال الذي يجب أن يطرحه “ترامب” وصاحبه “نتنياهو” اليوم ليس “من سيحكم إيران؟”، بل “كيف سنتعامل مع قائد يمتلك حكمة الأب وعنفوان الشباب وعلاقات الحرس الثوري؟”، لقد أغلقت طهران نافذة “الرهانات الوهمية”، وفتحت باباً جديداً من المواجهة، حيث المجرم واحد، والمواجهة واحدة، والخليفة الجديد بما هو متاح من معلومات يعرف جيداً كيف يدير “العداد” بعد “تصفيره ” هذا العداد الذي حتما يخشاه “ترامب “وصاحبه “بيبي” والأيام كاشفة.
