اخبار العالم

حين عجزت عن الانتصار.. إيران تُراهن على الفوضى

فبعد تجاوز الحرب يومها الثاني عشر، لم تعد المواجهة مقتصرة على الصواريخ والمسيرات، بل تحولت إلى حرب ناقلات وتهديد للملاحة الدولية، في خطوات وصفها الخبير في شؤون الأمن القومي محمد عبد الواحد بأنها “انتحار استراتيجي” و”هروب إلى عمق الهاوية”.

فبينما تعلن إسرائيل دخول “مرحلة ثالثة” تستهدف بنية النظام ذاته، وتلوح واشنطن بقرارات قد تقلب الطاولة، يبقى السؤال الأصعب: هل يقود “الانتحار السياسي” لطهران إلى جر المنطقة بأكملها إلى حرب شاملة؟.

الانتحار الاستراتيجي.. استبدال النصر برفع الكلفة

في حديثه إلى سكاي نيوز عربية، يرى عبد الواحد أن تصاعد الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد المنشآت الصاروخية والقدرات العسكرية الإيرانية يدفع طهران إلى مسار وصفه بـ”الانتحار الاستراتيجي”.

ويشرح أن هذا المفهوم يقوم على اتخاذ خطوات غير رشيدة في إدارة الصراع، أبرزها توسيع نطاق المواجهة إقليميا بدلا من توجيه الضربات إلى الوحدات العسكرية الأميركية أو الإسرائيلية.

ويشير إلى أن توجيه الهجمات نحو دول الخليج يمثل، في تقديره، نموذجا واضحا لهذا السلوك، لأنه يؤدي إلى زيادة عزلة إيران على المستويين الإقليمي والدولي. فبدلا من تقليص خصومها، تؤدي هذه السياسات إلى توسيع دائرة الدول المتضررة من التصعيد.

وبحسب تحليله، فإن هذه المقاربة لا تعكس حسابات استراتيجية دقيقة، بل تفضي عمليا إلى توسيع قائمة الخصوم وخلق جبهات جديدة في الصراع.

سلاح النفط ورفع كلفة المواجهة

ومن بين الأدوات التي تستخدمها إيران في هذه المرحلة، يلفت عبد الواحد إلى ما يسميه “سلاح النفط”. ويقول إن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على مبدأ رفع الكلفة على الخصوم عندما يتعذر تحقيق النصر في مواجهة تقليدية.

ووفق هذا المنطق، تحاول طهران استخدام ملف الطاقة كورقة ضغط من خلال تهديد تدفقات النفط أو التأثير في حركة الناقلات. غير أن هذه المقاربة، بحسب عبد الواحد، لا تصيب الخصوم المباشرين فقط، بل تضرب أيضا مصالح المجتمع الدولي بأسره.

ويشير إلى أن عددا من الدول التي تعتمد بشكل كبير على نفط المنطقة، خصوصا في جنوب شرق آسيا، قد تتضرر بشدة من أي اضطراب في الإمدادات، بما في ذلك دول ترتبط بعلاقات مع إيران مثل الصين.

ويؤكد أن هذا الواقع يفتح الباب أمام خصومات دولية أوسع قد تمتد حتى إلى شركاء تقليديين لطهران.

مضيق هرمز.. خط أحمر استراتيجي

ويعتبر عبد الواحد أن التهديد بإغلاق مضيق هرمز يمثل أحد أخطر أوجه التصعيد في المرحلة الراهنة.

ويشير إلى أن المضيق لم يغلق بالكامل في تاريخه، موضحا أن ما حدث في ثمانينات القرن الماضي اقتصر على تعطل جزئي للحركة.

ويؤكد أن إغلاق المضيق بشكل كامل من شأنه تعطيل الملاحة الدولية وإمدادات النفط إلى الدول المستوردة، ما ينعكس سلبا على اقتصادات المنطقة والعالم.

ولهذا يرى أن هذا الخيار يمثل خطا أحمر لا يمكن تجاوزه نظرا لتداعياته الواسعة على الاقتصاد العالمي. وبحسب تقديره، فإن تجاوز هذه الخطوط الحمراء يعكس مساراً تصعيدياً قد يؤدي إلى تعقيد الأزمة بشكل أكبر.

استراتيجية “الصدمة والترويع”

ويشير عبد الواحد خلال حديثه إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل اعتمدتا منذ البداية ما يعرف باستراتيجية “الصدمة والترويع”. ويشرح أن هذه الاستراتيجية تقوم على تنفيذ ضربات مباغتة ومكثفة تستهدف القيادة السياسية والعسكرية في وقت واحد.

ويضيف عبد الواحد أن الضربة الأولى جاءت في ساعات الصباح، حين تكون القيادات في مواقع عملها، ما أدى إلى اغتيال عدد من القيادات السياسية والعسكرية وتوجيه ضربات قوية في العاصمة التي تمثل رمزية الدولة.

وبحسب تحليله، فإن هذه الضربات أحدثت صدمة داخل النظام الإيراني وأربكت عملية اتخاذ القرار، وهو ما انعكس في سلوكيات لاحقة وصفها بأنها أكثر عنفاً وأقل رشداً في إدارة الصراع.

حرب غير متكافئة وتكتيك الاستنزاف

ويرى عبد الواحد أن إيران تدرك منذ اليوم الأول أنها تخوض حربا غير متكافئة مع الولايات المتحدة بسبب الفارق الكبير في القدرات التكنولوجية والعسكرية.

ولذلك، فإنها تلجأ إلى تكتيكات الحروب غير المتكافئة التي تعتمد أساسا على تجنب المواجهة المباشرة مع القوة المتفوقة.

ويشرح أن هذا التكتيك يقوم على استنزاف الخصم إلى أقصى حد ممكن، ورفع الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب، إضافة إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية ليشمل مناطق أخرى في الإقليم.

لكن هذا المسار، وفق تقديره، أدى إلى خسائر سياسية ودبلوماسية لإيران، إذ واجهت انتقادات إقليمية ودولية متزايدة، حتى من بعض الدول المجاورة مثل تركيا.

تعثر الوساطة وتراجع فرص التسوية

في موازاة التصعيد العسكري، يلفت عبد الواحد إلى تراجع فرص الحلول السياسية في المرحلة الحالية. ويشير إلى أن الخطاب التصعيدي المتبادل بين الأطراف المتحاربة يجعل فكرة العودة إلى المفاوضات أمرا صعبا في الوقت الراهن.

كما يوضح أن التصريحات الإيرانية الصادرة عن مسؤولين عدة تستبعد الوصول إلى تسوية سياسية في هذه المرحلة.

وفي المقابل، تبدو المواقف الأميركية غير واضحة تماما، بينما ترفض إسرائيل هي الأخرى أي مقاربة سياسية قبل تحقيق أهدافها العسكرية.

ويخلص إلى أن فكرة العودة إلى طاولة المفاوضات تبدو بعيدة في المدى القصير، على الأقل حتى تتضح نتائج العمليات العسكرية الجارية.

هرمز والألغام البحرية.. تهديد طويل الأمد

وفي ما يتعلق بقدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز، يوضح عبد الواحد أن أضيق نقطة في المضيق تبلغ نحو 39 كيلومترا، ما يجعل إغلاقه الكامل أمرا صعبا من الناحية العملية.

غير أنه يشير إلى أن طهران قد تلجأ نظريا إلى وسائل أخرى لتعطيل الملاحة، مثل استهداف السفن أو إغراقها أو زرع الألغام البحرية.

ويحذر من أن زرع الألغام قد يؤدي إلى كارثة كبيرة، إذ إن عملية إزالة الألغام البحرية عملية معقدة ومكلفة للغاية، وقد تستغرق شهورا حتى بعد انتهاء الصراع.

يضيف أن إيران تمتلك أنواعا متعددة من الألغام البحرية، بعضها مغناطيسي أو صوتي أو تكتيكي أو صاروخي، وقد حصلت عليها من مصادر مختلفة من بينها روسيا والصين وكوريا الشمالية. ويقدر عدد هذه الألغام بما يتراوح بين 5 آلاف و6 آلاف لغم.

ويؤكد أن التعامل مع هذه الألغام يمثل تحدياً كبيراً، إذ إن اكتشافها لا يعني بالضرورة القدرة على تفكيكها بسهولة، بسبب اختلاف آليات تفجيرها.

تداعيات إنسانية محتملة

ويحذر عبد الواحد في ختام تحليله من أن السياسات الحالية لا تقتصر آثارها على المستوى العسكري أو السياسي، بل تمتد أيضا إلى المجتمع الإيراني نفسه.

ويشير إلى أن نحو 90 مليون مواطن إيراني قد يدفعون ثمن هذه السياسات، رغم أنهم لا يتحملون مسؤولية اندلاع الحرب.

ويرى أن استمرار هذا المسار قد يفاقم المخاطر على الداخل الإيراني، في ظل ما وصفه بتصعيد يتجه نحو مزيد من التوسع في دائرة الصراع.



Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts