مقالات

الصاروخ الذي غيّر العالم.. رحلة فون براون من هتلر إلى كينيدي – الأسبوع

في تاريخ العلم العسكري في القرن العشرين، تبرز سيرة المهندس الألماني فيرنر فون براون كواحدة من أكثر السير تعقيدًا وإثارةً للجدل، فهي ليست مجرد قصة عالم صواريخ لامع، بل قصة رجل عاش في قلب تحولات كبرى: صعود النازية، والحرب العالمية الثانية، ثم انتقال مركز القوة العلمية إلى الولايات المتحدة في ظل الحرب الباردة.

وُلد فون براون في 23 مارس عام 1912 في بلدة فيرسيتس التي كانت آنذاك جزءًا من الإمبراطورية الألمانية، نشأ في أسرة أرستقراطية محافظة، وكان والده مسؤولًا حكوميًا بارزًا في جمهورية فايمار، منذ سنواته الأولى ظهرت عليه ميول علمية واضحة، خاصة في الفيزياء والرياضيات، لكنه انجذب بشكل خاص إلى فكرة الصواريخ بعد أن قرأ في شبابه كتابات عالم الصواريخ الألماني هيرمان أوبيرث الذي كان من أوائل من وضعوا الأسس النظرية لإمكانية السفر إلى الفضاء باستخدام الدفع الصاروخي.

في مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين، كانت ألمانيا تعيش اضطرابات سياسية واقتصادية عميقة انتهت بوصول أدولف هتلر إلى السلطة في 30 يناير 1933.

ومع صعود النظام النازي بدأ الجيش الألماني البحث عن أسلحة جديدة تتجاوز القيود التي فرضتها معاهدة فرساي.

وفي هذا السياق بدأت برامج الصواريخ العسكرية.

في عام 1932 التحق فون براون بالعمل مع الجيش الألماني في برنامج أبحاث الصواريخ تحت إشراف الضابط فالتر دورنبيرغر.

وفي عام 1937 انتقل البرنامج الصاروخي بالكامل إلى مركز الأبحاث العسكري في بينيمونده على ساحل بحر البلطيق، حيث أصبح فون براون المدير التقني للبرنامج الصاروخي الألماني.

غير أن صعوده العلمي كان مرتبطًا أيضًا بعلاقته بالنظام النازي.

في الأول من مايو عام 1937 انضم رسميًا إلى الحزب النازي، وهو القرار الذي ظل محل جدل بين المؤرخين:

هل كان انضمامه بدافع القناعة السياسية أم بدافع الضرورة المهنية؟

وبعد ذلك بسنوات، وتحديدًا عام 1940، انضم كذلك إلى قوات النخبة النازية قوات إس إس حيث مُنح رتبة ضابط شرفي، وهو ما زاد من الجدل حول اعتناقه للأفكار النازية.

خلال الحرب العالمية الثانية أصبح برنامج الصواريخ في بينيمونده أحد أهم المشاريع العسكرية في ألمانيا. وقد تم تطوير نوعين رئيسيين من الصواريخ والطائرات القاذفة بدون طيار.

الأول كان القنبلة الطائرة V-1 التي بدأ استخدامها عام 1944. كان هذا السلاح في جوهره نوعًا مبكرًا من صواريخ كروز، إذ يعمل بمحرك نفاث نابض ويطير على ارتفاع منخفض لمسافة تقارب 250 كيلومترًا قبل أن يسقط على هدفه، استخدمت هذه القنابل في قصف لندن ومدن بريطانية أخرى.

أما السلاح الأكثر تطورًا فكان الصاروخ الباليستي V-2 الذي دخل الخدمة القتالية في سبتمبر 1944.

كان هذا الصاروخ أول صاروخ باليستي في التاريخ، يعمل بالوقود السائل ويصل إلى ارتفاع يقارب 90 كيلومترًا قبل أن يهبط بسرعة تفوق سرعة الصوت نحو هدفه. وقد اعتُبر إنجازًا تقنيًا مذهلًا بالنسبة لوقته، لأنه فتح الباب لعصر الصواريخ الباليستية الحديثة.

لكن بحلول عام 1945 كانت ألمانيا النازية تتجه نحو الهزيمة، ومع تقدم قوات الحلفاء من الغرب وقوات الاتحاد السوفيتي من الشرق، أدرك فون براون وفريقه أن مصيرهم سيكون موضع تنافس بين القوى المنتصرة، فقد أصبح العلماء الذين يملكون أسرار تكنولوجيا الصواريخ هدفًا استراتيجيًا للقوى الكبرى.

في مارس 1945، ومع اقتراب القوات السوفيتية من مواقع الإنتاج الصاروخي، اتخذ فون براون قرارًا حاسمًا، فقد جمع آلاف الوثائق والرسومات الهندسية المتعلقة بالبرنامج الصاروخي الألماني، وقام فريقه بإخفائها داخل منجم مهجور في جبال هارتس في ألمانيا، كان الهدف من ذلك منع وقوع هذه الأسرار التقنية في يد السوفييت.

بعد ذلك بوقت قصير، وفي أوائل مايو 1945، قرر فون براون وعدد من كبار معاونيه التوجه غربًا وتسليم أنفسهم للقوات الأمريكية. وقد تم ذلك بالفعل عندما استسلموا لوحدات من الجيش الأمريكي في منطقة بافاريا.

كانت الولايات المتحدة قد بدأت بالفعل البحث عن العلماء الألمان المتخصصين في الصواريخ. ولذلك نُقل فون براون وفريقه إلى الولايات المتحدة ضمن البرنامج السري المعروف باسم عملية مشبك الورق.

بدأت عملية مشبك الورق في عام 1945، وكان هدفها نقل العلماء الألمان إلى أمريكا والاستفادة من خبراتهم قبل أن يصل إليهم الاتحاد السوفيتي.

وصل فون براون إلى الولايات المتحدة في سبتمبر 1945، وبدأ العمل مع الجيش الأمريكي في تطوير الصواريخ اعتمادًا على خبرته السابقة في ألمانيا. ومع مرور السنوات أصبح أحد أهم مهندسي البرامج الصاروخية الأمريكية، قبل أن ينتقل إلى العمل في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا.

غير أن دور فون براون في الولايات المتحدة لم يقتصر على الاستفادة من خبرته الألمانية فحسب، بل أصبح في الواقع أحد الأعمدة الرئيسية التي قامت عليها القوة الصاروخية الأمريكية في العقود الأولى من الحرب الباردة.

في أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات عمل مع الجيش الأمريكي في تطوير الصواريخ الباليستية اعتمادًا على التجربة التي اكتسبها في برنامج الصواريخ الألماني، وقد شارك في تطوير صاروخ ريدستون الذي أصبح أحد أوائل الصواريخ الباليستية التكتيكية في الترسانة الأمريكية، كما استُخدم لاحقًا في إطلاق أول رواد الفضاء الأمريكيين.

ومع تصاعد المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، أصبح علم الصواريخ محورًا أساسيًا في سباق القوة بين المعسكرين.

في عام 1957 فاجأ الاتحاد السوفيتي العالم بإطلاق القمر الصناعي سبوتنيك 1، وهو الحدث الذي دفع الولايات المتحدة إلى تسريع برنامجها الفضائي. وبعد عام واحد فقط، أي في 1958، تأسست وكالة الفضاء الأمريكية ناسا لتقود البرنامج الفضائي الأمريكي.

في تلك المرحلة انتقل فون براون وفريقه إلى العمل ضمن البرنامج الفضائي الجديد، وأصبح مدير مركز مارشال لرحلات الفضاء في مدينة هانتسفيل بولاية ألاباما.

وهناك قاد عملية تطوير واحد من أعظم الإنجازات الهندسية في القرن العشرين، وهو الصاروخ العملاق ساتورن-5 الذي أصبح المركبة الأساسية لرحلات القمر ضمن برنامج برنامج أبولو.

وقد كان هذا الصاروخ أضخم وأقوى صاروخ بُني حتى ذلك الوقت، إذ بلغ ارتفاعه أكثر من 110 أمتار، وكان قادرًا على حمل مركبة فضائية كاملة إلى القمر. ومن خلاله تمكنت الولايات المتحدة لاحقًا من تحقيق أحد أعظم إنجازاتها العلمية عندما نجحت بعثة أبولو 11 عام 1969 في إنزال أول إنسان على سطح القمر.

– الصورة للعالم الألماني فون براون إلى جانب الرئيس الأمريكي جون كينيدي. التُقطت هذه الصورة في 11 سبتمبر 1962 أثناء زيارة كينيدي لمركز مارشال لرحلات الفضاء في هانتسفيل. وكان الهدف من الزيارة الاطلاع على تقدم العمل في برنامج الصواريخ العملاقة التي ستُستخدم لإرسال الإنسان إلى القمر.

وخلال تلك الزيارة قام فون براون بمرافقة الرئيس الأمريكي في جولة داخل منشآت المركز، حيث كان يشرح له تفاصيل برنامج الصاروخ ساتورن-5 وخطط وكالة ناسا لتنفيذ مشروع الهبوط على القمر.

بعد سبع سنوات فقط من تلك الزيارة تحقق هذا الهدف عندما نجحت بعثة أبولو 11 عام 1969 في الهبوط على سطح القمر باستخدام الصاروخ الذي طوره فريق فون براون.

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts