تمر منطقتنا اليوم بمرحلة شديدة الحساسية، مع اتساع رقعة التوتر العسكري الناتج عن المواجهة القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وما نتج عنها من اعتداءات وضربات طالت بعض مناطق دول الخليج.
ومن هنا فإن مصر، دولة وشعبًا، تؤكد إدانتها لأي اعتداء غير مبرر يهدد أمن الأشقاء في الخليج أو يعرض استقرارهم للخطر.
غير أن قراءة الموقف المصري تحتاج إلى فهم أعمق من مجرد الانفعال اللحظي الذي تفرضه أجواء الحرب. فالعلاقات بين مصر ودول الخليج ليست علاقات ظرفية، بل هي روابط تاريخية واستراتيجية أثبتت قوتها في أصعب اللحظات.
وخلال الاتصال الهاتفي الذي جرى مؤخرًا بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كان الموقف المصري واضحًا في تأكيد ضرورة عدم توسيع دائرة الصراع أو تحويله إلى حرب إقليمية شاملة. فقد شدد الرئيس السيسي على أن استقرار المنطقة يجب أن يكون أولوية للجميع، وأن أي استهداف لأراضي الدول العربية أو تهديد لأمنها لن يؤدي إلا إلى إدخال المنطقة في دوامة صراع مفتوح لا يعرف أحد حدوده.
وإذا كان بعض الأشقاء في الخليج يتساءلون عن سبب عدم اندفاع مصر عسكريًا في هذا التوقيت، فإن الإجابة تكمن في فهم طبيعة الصراع الجاري. فالحروب في الشرق الأوسط كثيرًا ما تبدأ بعنوان وتتحول سريعًا إلى مسارات مختلفة تخدم أهدافًا أكبر من أطرافها المباشرين.
فكرة إعادة تشكيل المنطقة ليست جديدة. فمنذ عقود تتردد في الأدبيات السياسية الغربية والإسرائيلية أطروحات حول ما يسمى «الشرق الأوسط الجديد». وقد ظهرت إشارات إلى مشاريع توسعية في كتابات وتصريحات بعض القادة الإسرائيليين، ومنهم رئيس الوزراء الأسبق مناحيم بيجن، وكذلك في مواقف سياسية ارتبطت برؤية توسعية تحدث عنها قادة مثل أرييل شارون.
والتاريخ القريب يقدم مثالًا واضحًا على خطورة الانزلاق إلى حروب طويلة حين اندلعت الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت من عام 1980 إلى عام 1988. تلك الحرب أنهكت دولتين كبيرتين في المنطقة، واستنزفت قدراتهما العسكرية والاقتصادية، بينما دفعت دول الخليج خلالها أعباء مالية هائلة لدعم طرفي الصراع. وبعد ثماني سنوات من القتال لم يخرج أحد منتصرًا، بل خرجت المنطقة كلها أكثر ضعفًا.
اليوم يبدو أن بعض القوى الدولية تحاول إدارة الصراع بطريقة قد تدفع المنطقة إلى مسار مشابه، لكن بصيغة جديدة تقوم على توسيع المواجهة وتحويلها تدريجيًا إلى صراع عربي إيراني مباشر. ومثل هذا السيناريو لن يحقق إلا نتيجة واحدة: إنهاك الجميع وإضعاف المنطقة بأكملها.
ومن أخطر ما قد يتضمنه هذا المسار محاولة جر الجيش المصري إلى حرب طويلة. فالجيش المصري يمثل أحد أهم موازين القوة في المنطقة، واستنزافه في صراع إقليمي واسع قد يفتح الباب أمام تغييرات استراتيجية خطيرة في توازن القوى.
لهذا تتعامل مصر مع الأزمة بعقل استراتيجي لا برد فعل عاطفي. فالقوة الحقيقية لا تعني الاندفاع إلى الحرب، بل تعني القدرة على قراءة المشهد بالكامل ومعرفة متى وكيف تُستخدم هذه القوة.
كما كشفت التطورات الأخيرة حقيقة مهمة، وهي أن الاعتماد الكامل على الحماية العسكرية الخارجية ليس ضمانة كافية للأمن. فالأزمات الكبرى تثبت دائمًا أن كل دولة في النهاية تدافع أولًا عن مصالحها.
ومن هنا تبرز أهمية الطرح الذي قدمه الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن إنشاء قوة عربية مشتركة تحمي أمن الدول العربية ومقدراتها بعيدًا عن الحسابات الدولية المتغيرة. وقد عاد هذا الطرح إلى الواجهة في التصريحات الدبلوماسية المصرية الأخيرة مع تصاعد التحديات في المنطقة.
إن الرسالة التي يجب أن تصل بوضوح إلى شعوب الخليج هي أن مصر لا تقف بعيدًا عن أمنهم، لكنها تدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن تتحول هذه الحرب إلى فخ استراتيجي يستنزف قوى المنطقة ويتركها ضعيفة أمام مشاريع الهيمنة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل حان الوقت لكي يدرك العرب أن أمنهم الحقيقي لن تصنعه القوى الخارجية، بل تصنعه إرادتهم المشتركة وقدرتهم على بناء منظومة أمن عربي مستقل؟
اقرأ أيضاًهل تدخل تركيا في حرب إيران؟
ردا على مزاعم سفير أمريكا بإسرائيل “الحق التوراتي”من النيل إلى الفرات









