الفن والثقافة

قاضية وضابطة وطبيبة على خط النار.. الجنس الناعم يقود الصراع في دراما رمضان

في كتابها الشهير «غرفة تخص المرء وحده»، قالتِ الأديبة الإنجليزية فيرجينيا وولف: «إن المرأة تحتاج إلى مساحة كي تكتب قصتها»، أما الدراما فكانت هذه المساحة، تلك الغرفة التي تستطيع أن تقول فيها الشخصية النسائية ما لا تقدر على قوله في الواقع، ففي بعض الأعمال تقاتل المرأة للبقاء وسط قسوة المجتمع، أو تتحول إلى صوت أخلاقي، وأحيانًا تظهر بشكل أكثر تعقيدًا: ليست بطلة ولا ضحية، بل إنسانة تتأرجح بين القوة والضعف، بين الرغبة في الحرية، والخوف من ثمنها الذي لا تستطيع أن تدفعه.

انتهى عصر دراما الحواديت الهشة، وتحولتِ الشاشة إلى مساحة مساءلة، ومكاشفة، تُستخدم فيها المرأة كوسيلة طرح أسئلة اجتماعية حساسة، تتعلق بالهوية والسلطة والأسرة، والاقتصاد: مَن هي المرأة في المجتمع الحديث؟ هل هي أم؟ قائدة؟ عاملة؟ عاشقة؟ قاهرة؟ مقهورة؟ أم كل ذلك في آن واحد؟ الدراما لا تقدم إجابة نهائية «نموذجية»، لكنها تفتح مساحة للنقاش، وتفعل شيئًا أهم من الإجابات، تجعل الأسئلة مرئية، وكأن المرأة أصبحت «مرآة» يرى فيها المجتمع نفسه.

من خلال هذه «المرآة» ندرك أن قصة المجتمع لا يمكن أن تُروى قبل أن تُروى قصة المرأة أولًا، وقدمت دراما رمضان 2026، «خريطة» كاملة لوجود المرأة داخل المجتمع، بكل شخصياتها الدرامية ذات الأبعاد المختلفة، والمؤثرة، القادرة على تغيير مسار الأحداث، وكأنها دراما «إعادة تعريف المرأة»، ليس بوصفها رمزًا أخلاقيًّا وعاطفيًّا ثابتًا، كما في كلاسيكيات الدراما، ولكن كـ«إنسان» يعيش تناقضات العصر الحديث، بين النجاة والسلطة والذاكرة، يعمل ويُقهر، ويَقهر، ويحب ويفشل ويبدأ من جديد.

«لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك»، عبارة للفيلسوفة الفرنسية «سيمون دي بوفوار»، تبدو كمفتاح لفهم كثير من الشخصيات النسائية التي ظهرت في دراما رمضان: شخصيات تشكلت تحت التجربة، وأعادت تعريف نفسها في مواجهة الأسرة والمجتمع، لم تعُد ضحيةَ الأحداث، بل صانعة المصير، تقود الحكاية، وتفرض على الجمهور أن «يرى نفسه من زاوية مختلفة».

هل استطاعت دراما رمضان 2026، أن تمنح «المساحة الكاملة» للمرأة؟ هل وضعتِ الجمهور أمام نفسه في المرآة؟ أسئلة أجاب عليها المجلس القومي للمرأة في تقريره الأخير، الذي أشاد بالنماذج النسائية التي ظهرت في عدد من المسلسلات، مع تنوع أدوار المرأة المعيلة، والمكافحة، والمطلقة، وتناول قضايا جادة مثل: التفكك الأسري، الميراث، الطلاق، النسب، حضانة الأبناء، وحقوق الرؤية.

طرحت دراما رمضان 2026، أسئلة جوهرية: هل تغيرتِ المرأة.. أم أن المجتمع بدأ يراها على حقيقتها؟ ما سر التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي صنعتِ التغيير في صورة المرأة النمطية؟ ماذا تريد المرأة الآن؟ ولماذا يخاف المجتمع من رغباتها؟ وهل ظهر «جيل جديد للكتابة» يقدم المرأة بشكل أكثر تعقيدًا؟ هل تغيّر ذوق الجمهور؟ أم تغيّرتِ اهتمامات المرأة فلم تعُد تعبأ بقصص الحب والانتقام، وأصبح يشغلها فقط أن تكون نفسها في عالم لا يزال يتعلم كيف يراها؟

في دراما رمضان أصبحتِ المرأة محورَ الأسئلة الأخلاقية في الحكاية، فهي القوية «استراتيچيًّا» مثل هند صبري في «منَّاعة»، وريم مصطفى في «فن الحرب»، كلتاهما تحرك الأحداث بمنطق النفوذ، وإن اختلفت دوافعهما بين الاحتيال و«إرث» الجريمة، بين المخدرات وغسيل الأموال، كلتاهما صنعت سلطتها في عالم ذكوري.

أما في «عرض وطلب» فتفقد «سلمى أبوضيف» الأم ابنها، وتدخل في صراع متعدد الزوايا، وتأخذها الصدمة إلى رحلة وجودية للتكيف مع العالم، مرورًا بمراحل الحزن جميعها، وصولًا إلى أفكارها الجهنمية التي تتضح مع الأحداث.

أما المرأة الباحثة عن الخلاص، ريهام عبد الغفور، في «حكاية نرجس»، فتتحول رغبتها في الإنجاب إلى «هوس مدمر» وضغط اجتماعي يدفعها لاتخاذ قرارات كارثية، والقضية هنا فلسفية حول نظرة المجتمع للمرأة المحرومة من دورها الأساسي، فالأمومة هاجس وجودي، باعتباره معيارَ قيمتها في المجتمع، وسط سلسلة خيبات وصراعها مع صورتها «المشروخة» عن نفسها. فيما اختارتِ السورية جومانا مراد، أول بطولة مطلقة لها، بمسلسل «اللون الأزرق»، دور «أم» لطفل يعاني من طيف التوحد، وصراعها بين الرغبة في حماية أسرتها والتعامل مع القلق النفسي والتوقعات المجتمعية وضعفها أمام مرض ابنها.

وبرغم أن الأم (سما إبراهيم) في مسلسل «إفراج»، ليست بطلة أساسية في دائرة الصراع، فإنها تمثل «ضمير العائلة» والذاكرة الإنسانية التي ترفض نسيان الظلم، تحمل آثار الماضي، كـ«أرشيف حي»، للقصة التي بدأت بـ«مقتل» زوجة البطل، ناهد السباعي، التي ظلت حاضرة، برغم موتها، بعد تحولها إلى لغز أخلاقي يدفع الأحداث كلها، وتأتي المرأة العاشقة (تارا عماد) التي تحاول إنقاذ البطل من ماضيه، ليبدأ حياة جديدة مفعمة بالحب والأمل.

وبعد أن كانتِ الدراما تعتبر فشل التجربة العاطفية للمرأة نهاية مأسوية لها، وضعت دينا الشربيني، في مسلسل «اتنين غيرنا»، مقياسًا جديدًا للقدرة على البدء مرة أخرى، والفوز بفرصة ثانية، وإعادة كتابة سيناريو مبهج لأيامها، بقصة حب جديدة، تمحو آثار الماضي الأليم.

وبرغم اعتماد مسلسلات «بابا وماما جيران»، و«كان يا ما كان»، و«أب ولكن» على محور «انهيار الأسرة بعد الطلاق»، فإن المرأة في كل منها تلعب دورًا محوريًّا، فاعلًا، تحاول إدارة حياتها وترتيب نفسها بعد الانفصال، وتعيد بناء مفهوم الأسرة خارج النموذج التقليدي، فهي إما عنيدة مكابرة مجسدة لـ«كيد النساء»، كل همها «مكايدة طليقها»، ولو على حساب نفسية الأطفال، وإذلال الأب لرؤية أبنائه، وإما يصبح همها إعادة تعريف نفسها بعد الطلاق، أو تدخل في دوامة من القلق النفسي، والصراع مع الذات.

فيما يسرد مسلسل «روچ أسود» قصصًا متوازية لمجموعة نساء، داخل أروقة محاكم الأسرة، شخصيات مركَّبة تواجه المجتمع والقانون والذات، وتشكلت اختياراتها بين الضغوط الاجتماعية والرغبة في النجاة من علاقات مؤذية.

وفي «توابع»، تحولت حياة البطلة «ريهام حجاج» إلى «منتج رقمي»، وتنهار حياتها تحت ضغط الصورة المثالية الافتراضية المقدمة للجمهور، وتتورط في صراع الشهرة وحماية طفلها المصاب بمرض «ضمور العضلات الشوكي».

فيما جسَّدت مي عمر، في مسلسل «الست موناليزا»، دور المرأة التي يؤذيها زوجها بكل صنوف العذاب، وتنجح في الإفلات منه لتبدأ حياة جديدة، فتدفع الثمن باهظًا. وعن قيمة الحياة والموت، وضع مسلسل «سوا سوا»، البطلة (هدى المفتي)، في خانة المرأة التي تمنح كل شيء، حتى حياتها، تموت تاركة أثرها، مولودًا آتيًا للحياة.

وجاءتِ المرأة في ملحمة «صحاب الأرض»، صوتًا للضمير في زمن الحرب، منة شلبي، طبيبة اختارتِ الإنسانية وكافحت على خط النار. كما دخلتِ المرأة في «رأس الأفعى»، بشخصية «كارولين عزمي»، ضابطة الأمن الوطني، في موقع قوة فعلية ومهنية ضمن أجهزة الدولة، كمسؤولة عن اتخاذ قرارات مصيرية، وهو اعتراف بقدرة المرأة على المنافسة، حتى في سياق الأمن القومي. ولأول مرة، تقدم هانيا فهمي، دور المرأة القاضية، بكل جرأة وقوة، في مسلسل «فرصة أخيرة»، وهي شخصية ذات ثقل مهني وقيمي في عالم مليء بالصراع الأخلاقي بين العدالة والإنسانية.

وبعكس الأعمال الشعبية، لم تجئِ المرأة في مسلسل «علي كلاي» ككيان هامشي داعم للبطل، وإنما ظهرت بثلاثة نماذج: الأقوى «دُرة» التي أذاقتِ البطل أصناف الانتقام بسبب قلبها الجريح، والثانية «يارا السكري» الملهمة الحبيبة التي ضحت من أجله بكل شيء، والثالثة «رحمة محسن» العاشقة التي لم يدفعها الهجر للانتقام من الحبيب، بل لمواصلة دعمه، في لحظات ضعفه.

وهكذا.. .لم تعُدِ المرأة شخصية ثانوية في حكاية الرجل، بل صاحبة الحكاية نفسها، لم تعُد تنتظر مَن ينقذها، بل أصبحت، في كثير من الأحيان، هي مَن يكتب النهاية.

اقرأ أيضاًموسم السينما في العيد.. قائمة أفلام عيد الفطر 2026 الكاملة

مسلسل فن الحرب الحلقة 27.. مواعيد وقنوات العرض

«بينهم آمال فريد ونادية فهمي».. فنانون سبقوا محيي إسماعيل للإقامة في دور رعاية الكبار

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts