في يوم 24 مارس من عام 1704، وبين ضفتي التاريخ الممتد من جبل طارق إلى قناة السويس، تتجلى أمامنا واحدة من صور الصراع الدولي على الممرات الاستراتيجية.
ففي هذا اليوم، احتلت بريطانيا منطقة جبل طارق، الواقعة جغرافيًا ضمن أراضي إسبانيا، في أقصى جنوب شبه الجزيرة الأيبيرية، حيث تمتد كتلة صخرية شاهقة داخل مياه البحر الأبيض المتوسط. وتحمل هذه المنطقة اسم القائد المسلم طارق بن زياد، فاتح الأندلس، في دلالة تاريخية عميقة على تعاقب القوى والنفوذ.
ويكتسب جبل طارق أهميته من موقعه الفريد، إذ يسيطر على مضيق جبل طارق، الذي يُعد البوابة الغربية للبحر المتوسط، وأحد أهم الممرات البحرية في العالم، ومنذ ذلك الحين، ظل هذا الموقع تحت السيطرة البريطانية، في تجسيد واضح لسياسات الهيمنة على النقاط الحيوية في طرق التجارة العالمية.
واستمر الوضع الاستعماري لجبل طارق حتى عام 1981، حين قررت بريطانيا منحه نظام الحكم الذاتي، دون أن يعني ذلك التخلي عنه. فقد أكدت الحكومة البريطانية مرارًا أن الإقليم لا يزال تابعًا للتاج البريطاني، في الوقت الذي تواصل فيه إسبانيا مطالبتها باستعادته، دون أن تجد هذه المطالب استجابة تُذكر.
ومن هنا، يثور تساؤل جوهري عند استحضار هذه الوقائع: لماذا أقدم الرئيس المصري جمال عبد الناصر على تأميم شركة قناة السويس في 26 يوليو 1956، واستعادتها لصالح مصر من السيطرة البريطانية والفرنسية؟ ولماذا لم ينتظر حتى انتهاء مدة الامتياز الممنوحة لتلك الشركة، لتعود القناة «طوعًا» إلى السيادة المصرية؟
الإجابة تتجلى بوضوح عند قراءة سلوك القوى الاستعمارية عبر التاريخ.
فالدول التي تسيطر على الممرات الاستراتيجية لا تتخلى عنها بسهولة، بل تتمسك بها بكل الوسائل الممكنة، كما هو الحال في جبل طارق. ومن ثم، فإن انتظار «الاسترداد السلمي» في ظل ميزان قوى غير متكافئ، كان رهانًا محفوفًا بالمخاطر، وربما غير واقعي في سياق التجارب التاريخية.
لقد أثبتت الوقائع أن المملكة المتحدة وفرنسا لم تكونا يومًا قوتين استعماريتين تتخليان طواعية عن مناطق نفوذهما أو مصادر ثرواتهما، بل إن تاريخهما الإمبراطوري يشهد على امتداد نفوذهما إلى مختلف بقاع العالم، حيث استُنزفت الموارد واستُغلت الشعوب.
وفي ضوء هذه الحقائق، لا يبدو قرار جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس اندفاعًا أو تهورًا، بل تجسيدًا لإرادة سياسية صلبة، وفهم عميق لطبائع الصراع الدولي. فقد أدرك أن الحقوق لا تُسترد بالانتظار، وأن القوى الاستعمارية لا تغادر مواقعها الاستراتيجية طواعية، مهما طال الزمن.
وهكذا، بينما لا يزال جبل طارق شاهدًا حيًا على استمرار الهيمنة حين تتوفر شروطها، جاءت لحظة التأميم لتُثبت أن كسر هذه المعادلة ممكن، إذا توافرت الإرادة والقرار.
لقد أعاد جمال عبد الناصر تعريف معنى السيادة في الوعي المصري والعالمي، حين انتزع قناة السويس من قبضة الإمبراطوريات، وأعادها إلى شعبها، لا كأصل اقتصادي فحسب، بل كرمز للكرامة الوطنية.
ومن هنا، لم يكن التأميم مجرد إجراء، بل لحظة تاريخية فاصلة أعادت رسم موازين القوة، وأثبتت أن من يملك الشجاعة والرؤية يملك القدرة على إعادة كتابة التاريخ.
اقرأ أيضارئيس وزراء بريطانيا: كنا على علم بالمحادثات الجارية بين أمريكا وإيران
تحليق تاريخي.. بريطانيا تكشف عن أكبر عملية جوية منذ 15 عاما فوق 4 دول عربية







