لم تعد هذه الحرب مجرد جولة عسكرية يمكن احتواؤها ببيان تهدئة أو اتفاق مؤقت، ما يجري أعمق من ذلك بكثير، إنه صراع على شكل النظام الإقليمي القادم، وعلى من يملك حق تعريف الأمن فيه.
في البداية، تعاملت دول الخليج مع خيار الحرب باعتباره مغامرة محفوفة بالمخاطر، ليس لأنها ترفض كبح النفوذ الإيراني، بل لأنها تدرك أن أي مواجهة مفتوحة ستجعلها في قلب الرد، لا على هامشه، لكن مع تطور الأحداث، تغيّرت الحسابات، لم يعد القلق من اندلاع الحرب، بل من نهايتها غير المحسوبة.
اليوم، تبدو المعضلة أكثر وضوحًا: وقف القتال دون معالجة مصادر التهديد يعني ببساطة ترحيل الأزمة إلى جولة أكثر عنفًا. فالأدوات التي استُخدمت في هذه الحرب – من صواريخ بعيدة المدى إلى هجمات تستهدف البنية التحتي – لم تعد مجرد أوراق ضغط، بل تحوّلت إلى عنصر ثابت في معادلة الردع.
هذا الإدراك يفسر التحول في الخطاب الخليجي، من لغة التهدئة إلى طرح أسئلة تتعلق بجذور الأزمة لا أعراضها. لم يعد الهدف احتواء إيران، بل تقليص قدرتها على فرض قواعد اشتباك من طرف واحد.
في هذا السياق، يتقاطع التوجه الخليجي مع الرؤية الأمريكية التي تسعى إلى تقويض البنية الهجومية الإيرانية، لكن هذا التقاطع يخفي تباينًا في الأولويات. فواشنطن تنظر إلى الملف من زاوية توازن القوى، بينما تنظر إليه العواصم الخليجية من زاوية البقاء المباشر.
وسط هذا المشهد، يبرز اجتماع اليوم الخميس في باكستان كمحاولة لفتح مسار سياسي يوازي التصعيد العسكري. غير أن المؤشرات الأولية لا توحي بانفراج قريب، فكل طرف يذهب إلى الطاولة وهو متمسك بسقف مرتفع من الشروط، أقرب إلى فرض الوقائع منه إلى البحث عن حلول وسط.
الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة رسم حدود القوة الإيرانية، بينما تحاول طهران تثبيت موقعها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، مع توسيع هامش نفوذها في الممرات الحيوية، وبين هذين الاتجاهين، تتشكل فجوة تفاوضية يصعب ردمها في وقت قصير.
لكن المفارقة الأبرز لا تكمن في تباعد المواقف، بل في تركيبة الطاولة نفسها. فدول الخليج، التي وجدت نفسها في مرمى النيران طوال الأسابيع الماضية، تبدو خارج الإطار الفعلي لهذا المسار، رغم أنها الطرف الأكثر تأثرًا بنتائجه، هذا الغياب يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الترتيبات التي قد تخرج بها هذه اللقاءات، وحول مدى قدرتها على إنتاج استقرار حقيقي.
هنا تحديدًا تبرز الزاوية الأكثر حساسية في المشهد:
الدور الأمريكي نفسه، فواشنطن، التي تقود المسار العسكري وتدير خيوط التفاوض، تتصرف عمليًا باعتبارها الطرف المخوّل بإعادة تعريف أمن الخليج، دون أن تمنح الفاعلين الإقليميين الدور الذي يتناسب مع حجم المخاطر التي يتحملونها، هذا النمط ليس جديدًا، لكنه في ظل المعطيات الحالية يبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
الرهان على أن الولايات المتحدة قادرة وحدها على إنتاج توازن مستقر يتجاهل حقيقة أن أمن المنطقة لم يعد ملفًا يمكن إدارته من الخارج فقط.
فالتجربة الأخيرة أظهرت أن كلفة القرارات تُدفع محليًا، بينما تُصاغ التفاهمات بعيدًا عن ساحتها.
المشهد، بهذا المعنى، لا يعكس فقط أزمة مع إيران، بل أزمة في بنية إدارة الأمن الإقليمي نفسها، فحين يُستبعد الطرف الأكثر تعرضًا للتهديد من طاولة تحديد شروط التهدئة، تصبح أي تسوية محتملة معرضة للاهتزاز منذ لحظة توقيعها.
في المقابل، ترفع إيران سقف مطالبها إلى مستوى يتجاوز وقف القتال، لتشمل إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية، وفرض واقع جديد في الممرات البحرية، وهو ما يعكس ثقة متزايدة بقدرتها على تحويل الضغط العسكري إلى مكاسب سياسية.
هذا التباين الحاد في الأهداف يجعل أي اتفاق سريع أقرب إلى هدنة مؤقتة، لا إلى تسوية مستدامة، فالاتفاقات التي لا تعالج جذور التهديد غالبًا ما تتحول إلى فواصل زمنية بين جولات التصعيد.
ومن هنا، تبدو فكرة «الانتصار» في هذا النوع من الحروب مسألة نسبية، فالمعيار الحقيقي لا يقاس بحجم الخسائر التي يتكبدها الخصم، بل بمدى القدرة على منع تكرار التهديد.
وإذا بقيت أدوات الضغط قائمة، فإن النتيجة ستكون إعادة إنتاج الأزمة في ظروف أكثر تعقيدًا.
ما تسعى إليه دول الخليج اليوم يتجاوز الضمانات التقليدية، نحو إعادة صياغة قواعد الاشتباك نفسها، بما يحد من قابلية المنطقة للانفجار في كل مرة يتصاعد فيها التوتر، لكن الوصول إلى هذا الهدف يظل رهينًا بمدى قدرة الأطراف المختلفة على تقديم تنازلات حقيقية، وهو أمر لا تظهر مؤشراته حتى الآن.
في ظل هذه المعطيات، يظل السؤال مفتوحًا:
هل تتجه المنطقة نحو تسوية تعيد التوازن، أم نحو هدنة تسبق جولة أكثر خطورة؟
اقرأ أيضاًمجلس التعاون الخليجي: لن نقبل بأن تتحول أراضينا لساحات تصفية الحسابات الإقليمية
نفط برنت يتجاوز الـ 100 دولار وسط توقعات بارتفاع الأسعار
عاجل| إعلام عبري: مقتل قائد البحرية بالحرس الثوري الإيراني علي رضا تنكسيري









